ابن كثير

268

البداية والنهاية

الخليفة هو أخو المستنصر باني المستنصرية ، وعم المستعصم ، بويع بالخلافة بمصر بايعه الملك الظاهر والقاضي والوزير والامراء ، وركب في دست الخلافة باديار مصر والامراء بين يديه والناس حوله ، وشق القاهرة في ثالث عشر رجب ، وهذا الخليفة هو الثامن والثلاثون من خلفاء بني العباس بينه وبين العباس أربعة وعشرون أبا ، وكان أول من بايعه القاضي تاج الدين لما ثبت نسبه ، ثم السلطان ثم الشيخ عز الدين بن عبد السلام ثم الامراء والدولة ، وخطب له على المنابر وضرب اسمه على السكة وكان منصب الخلافة قد شغر منذ ثلاث سنين ونصفا ، لان المستعصم قتل في أول سنة ست وخمسين وستمائة ، وبويع هذا في يوم الاثنين في ثالث عشر رجب من هذه السنة - أعني سنة تسع وخمسين وستمائة - وكان أسمر ( 1 ) وسيما شديد القوى عالي الهمة له شجاعة وإقدام ، وقد لقبوه بالمستنصر كما كان أخاه باني المدرسة ، وهذا أمر لم يسبق إليه أن خليفتين أخوين يلقب كل منهما بالآخر ، ولي الخلافة أخوين كهذين السفاح وأخوه المنصور ، وكذا محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، والهادي والرشيد ، والمسترشد والمقتفي ولدا المستظهر ، وأما ثلاثة فالأمين والمأمون والمعتصم أولاد الرشيد ، والمنتصر والمعتز والمطيع أولاد المقتدر ، وأما أربعة فأولاد عبد الملك بن مروان الوليد وسليمان ويزيد وهشام . وكانت مدة خلافته إلى أن فقد كما سيأتي خمسة أشهر وعشرين يوما ، أقصر مدة من جميع خلفاء بني العباس ، وأما بنو أمية فكانت مدة خلافة معاوية بن يزيد بن معاوية أربعين يوما ، وإبراهيم بن يزيد الناقص سبعين يوما ، وأخوه يزيد بن الوليد خمسة أشهر . وكانت مدة خلافة الحسن بن علي بعد أبيه سبعة أشهر وأحد عشر يوما . وكانت مدة مروان بن الحكم تسعة أشهر وعشرة أيام ، وكان في خلفاء بني العباس من لم يستكمل سنة منهم المنتصر بن المتوكل ستة أشهر ، والمهتدي بن الواثق أحد عشر شهرا وأياما ، وقد أنزل الخليفة هذا بقلعة الجبل في برج هو وحشمه ، فلما كان يوم سابع ( 2 ) رجب ركب في السواد وجاء إلى الجامع بالقلعة فصعد المنبر وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس ( 3 ) ، ثم استفتح فقرأ صدرا من سورة الأنعام ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ترضى عن الصحابة ودعا للسلطان الظاهر ، ثم نزل فصلى بالناس فاستحسنوا ذلك منه ، وكان وقتا حسنا ويوما مشهودا . تولية الخلافة المستنصر بالله للملك الظاهر السلطنة لما كان يوم الاثنين الرابع من شعبان ( 4 ) ، ركب الخليفة والسلطان والوزير والقضاة والامراء وأهل الحل والعقد إلى خيمة عظيمة قد ضربت ظاهر القاهرة فجلسوا فيها ، فألبس الخليفة

--> ( 1 ) في تاريخ أبي الفداء : أسود اللون ، وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 313 : أسمر اللون ، أمه حبشية . ( 2 ) كذا بالأصل ، وفي الروض الزاهر ص 101 : سابع عشر رجب . ( 3 ) نسخة الخطبة في ابن إياس 1 / 1 / 315 . ( 4 ) في بدائع الزهور : ربيع الأول .