ابن كثير

269

البداية والنهاية

السلطان بيده خلعة سوداء ، وطوقا في عنقه ، وقيدا في رجليه وهما من ذهب ، وصعد فخر الدين إبراهيم بن لقمان وهو رئيس الكتاب منبرا فقرأ على الناس تقليد السلطان ، وهو من إنشائه وبخط نفسه ( 1 ) ، ثم ركب السلطان بهذه الأبهة والقيد في رجليه ، والطوق في عنقه ، والوزير بين يديه ، وعلى رأسه التقليد ( 2 ) والامراء والدولة في خدمته مشاة سوى الوزير ، فشق القاهرة وقد زينت له ، وكان يوما مشهودا ، وقد ذكر الشيخ قطب الدين هذا التقليد بتمامه ، وهو مطول والله أعلم . ذهاب الخليفة إلى بغداد ثم إن الخليفة طلب من السلطان أن يجهزه إلى بغداد ، فرتب السلطان له جندا هائلة وأقام له من كل ما ينبغي للخلفاء والملوك . ثم سار السلطان صحبته قاصدين دمشق ( 3 ) ، وكان سبب خروج السلطان من مصر إلى الشام ، أن التركي كما تقدم كان قد استحوذ على حلب ، فأرسل إليه الأمير علم الدين سنجر الحلبي الذي كان قد تغلب على دمشق فطرده عن حلب وتسلمها ، وأقام بها نائبا عن السلطان ، ثم لم يزل التركي حتى استعادها منه وأخرجه منها هاربا ، فاستناب الظاهر على مصر عز الدين أيد مر الحلبي وجعل تدبير المملكة إلى الوزير بهاء الدين بن الحنا ، وأخذ ولده فخر الدين معه وزيرا وجعل تدبير العساكر والجيوش إلى الأمير بدر الدين بيليك الخازندار ، ثم ساروا فدخلوا دمشق يوم الاثنين سابع ذي القعدة ، وكان يوما مشهودا ، وصليا الجمعة بجامع دمشق ، وكان دخول الخليفة من باب البريد ، ودخل السلطان من باب الزيارة . وكان يوما مشهودا أيضا ، ثم جهز السلطان الخليفة إلى بغداد ومعه أولاد صاحب الموصل ، وأنفق عليه وعليهم وعلى من استقل معه من الجيش الذين يردون عنه ما لم يقدر الله من الذهب العين ألف ألف دينار ( 4 ) ، وأطلق له وزاده فجزاه الله خيرا ، وقدم إليه صاحب حمص الملك الأشرف فخلع عليه وأطلق له وزاده تل باشر ، وقدم صاحب حماه المنصور فخلع عليه وأطلق له وكتب له تقليدا ببلاده ، ثم جهز جيشا صحبة الأمير علاء الدين البندقداري إلى حلب لمحاربة التركي المتغلب عليها المفسد فيها . وهذا كل ما بلغنا من وقائع هذه السنة ملخصا .

--> ( 1 ) نسخة التقليد في الروض الزاهر ص 102 وما بعدها . وفي السلوك 1 / 453 . ( 2 ) في الروض الزاهر : حمل التقليد الأمير جمال الدين النجيبي أستاذ الدار والصاحب بهاء الدين . ( 3 ) وكان ذلك يوم السبت سادس شوال كما في الروض الزاهر ، وفي تاريخ أبي الفداء : في رمضان من هذه السنة . ( 4 ) في الروض الزاهر ص 112 : ألف ألف دينار وستون ألف دينار عينا .