ابن كثير
253
البداية والنهاية
عجبا لمحلول العقيدة جاهل * بالشرع قد أذنوا له أن يقعدا قال أبو شامة : في سنة سبع وخمسين وستمائة مات شخص زنديق يتعاطى الفلسفة والنظر في علم الأوائل ، وكان يسكن مدارس المسلمين ، وقد أفسد عقائد جماعة من الشبان المشتغلين فيما بلغني ، وكان أبو يزعم أنه من تلامذة ابن خطيب الري الرازي صاحب المصنفات حية ولد حية . ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وستمائة استهلت هذه السنة بيوم الخميس وليس للناس خليفة ، وملك العراقين وخراسان وغيرها من بلاد المشرق للسلطان هولاكو خان ملك التتار ، وسلطان ديار مصر الملك المظفر سيف الدين قطز ، مملوك المعز أيبك التركماني ، وسلطان دمشق وحلب الملك الناصر بن العزيز بن الظاهر ، وبلاد الكرك والشوبك للملك المغيث بن العادل بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب ، وهو حرب مع الناصر صاحب دمشق على المصريين ، ومعهما الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري ، وقد عزموا على قتال المصريين وأخذ مصر منهم . وبينما الناس على هذه الحال وقد تواترت الاخبار بقصد التتار بلاد الشام إذ دخل جيش المغول صحبة ملكهم هولاكو خان وجازوا الفرات على جسور عملوها ، ووصلوا إلى حلب في ثاني صفر من هذه السنة ، فحاصروها سبعة أيام ثم افتتحوها بالأمان ، ثم غدروا بأهلها وقتلوا منهم خلقا لا يعلمهم إلا الله عز وجل ، ونهبوا الأموال ، وسبوا النساء والأطفال ، وجرى عليهم قريب مما جرى على أهل بغداد ، فجاسوا خلال الديار وجعلوا أعزة أهلها أذلة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وامتنعت عليهم القلعة شهرا ثم استلموها بالأمان ، وخرب أسوار البلد وأسوار القلعة وبقيت حلب كأنها حمار أجرب ، وكان نائبها الملك المعظم توران شاه بن صلاح الدين وكان عاقلا حازما ، لكنه لم يوافقه الجيش على القتال ، وكان أمر الله قدرا مقدورا . وقد كان أرسل هولاكو يقول لأهل حلب ( 1 ) : نحن إنما جئنا لقتال الملك الناصر بدمشق ، فاجعلوا لنا عندكم شحنة ، فإن كانت النصرة لنا فالبلاد كلها في حكمنا ، وإن كانت علينا فإن شئتم قبلتم الشحنة وإن شئتم أطلقتموه . فأجابوه ما لك عندنا إلا السيف ، فتعجب من ضعفهم وجوابهم ، فزحف حينئذ إليهم وأحاط بالبلد ، وكان ما كان بقدر الله سبحانه . ولما فتحت حلب أرسل صاحب حماه بمفاتيحها إلى هولاكو ، فاستناب عليها رجلا من العجم يدعي أنه من ذرية خالد بن الوليد يقال له : خسروشاه ، فخرب أسوارها كمدينة حلب . صفة أخذهم دمشق وزوال ملكهم عنها سريعا أرسل هولاكو وهو نازل على حلب جيشا مع أمير من كبار دولته يقال له كتبغانوين ، فوردوا
--> ( 1 ) قال أبو الفداء في تاريخه : وكان رسول هولاكو إليهم في ذلك صاحب أرزن الروم ( 3 / 201 ) .