ابن كثير
254
البداية والنهاية
دمشق في آخر صفر فأخذوها سريعا من غير ممانعة ولا مدافع ، بل تلقاهم كبارها بالرحب والسعة ، وقد كتب هولاكو أمانا لأهل البلد ، فقرئ بالميدان الأخضر ونودي به في البلد ، فأمن الناس على وجل من الغدر ، كما فعل بأهل حلب ، هذا والقلعة ممتنعة مستورة ، وفي أعاليها المجانيق منصوبة والحال شديدة ، فأحضرت التتار منجنيقا يحمل على عجل والخيول تجرها ، وهم راكبون على الخيل وأسلحتهم على أبقار كثيرة ، فنصب المنجانيق على القلعة من غربيها ، وخربوا حيطانا كثيرة وأخذوا حجارتها ورموا بها القلعة رميا متواترا كالمطر المتدارك ، فهدموا كثيرا من أعاليها وشرافاتها وتداعت للسقوط فأجابهم متوليها في آخر ذلك النهار للمصالحة ، ففتحوها وخربوا كل بدنة فيها ، وأعالي بروجها ، وذلك في نصف جمادى الأولى من هذه السنة ، وقتلوا المتولي بها بدر الدين بن قراجا ، ونقيبها جمال الدين بن الصيرفي الحلبي ، وسلموا البلد والقلعة إلى أمير منهم يقال له إبل سيان ، وكان لعنه الله معظما لدين النصارى ، فاجتمع به أساقفتهم وقسوسهم ، فعظمهم جدا ، وزار كنائسهم ، فصارت لهم دولة وصولة بسببه ، وذهب طائفة من النصارى إلى هولاكو وأخذوا معهم هدايا وتحفا ، وقدموا من عنده ومعهم أمان فرمان من جهته ، ودخلوا من باب توما ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس ، هم ينادون بشعارهم ويقولون : ظهر الدين الصحيح دين المسيح . ويذمون دين الاسلام وأهله ، ومعهم أواني فيها خمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمرا ، وقماقم ملآنة خمرا يرشون منها على وجوه الناس وثيابهم ، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة والأسواق أن يقوم لصليبهم ، ودخلوا من درب الحجر فوقفوا عند رباط الشيخ أبي البيان ، ورشوا عنده خمرا ، وكذلك على باب مسجد درب الحجر الصغير والكبير ، واجتازوا في السوق حتى وصلوا درب الريحان أو قريب منه ، فتكاثر عليهم المسلمون فردوهم إلى سوق كنيسة مريم ، فوقف خطيبهم إلى دكة دكان في عطفة السوق فمدح دنى النصارى وذم دين الاسلام وأهله ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ثم دخلوا بعد ذلك إلى كنيسة مريم وكانت عامرة ولكن هذا سبب خرابها ولله الحمد . وحكى الشيخ قطب الدين في ذيله على المرآة أنهم ضربوا بالناقوس في كنيسة مريم فالله أعلم . قال : وذكر أنهم دخلوا إلى الجامع بخمر وكان في نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا كثيرا من المساجد وغيرها ، ولما وقع هذا في البلد اجتمع قضاة المسلمين والشهود والفقهاء فدخلوا القلعة يشكون هذا الحال إلى متسلمها إبل سيان فأهينوا وطردوا ، وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم . فإنا لله وإنا إليه راجعون . وهذا كان في أول هذه السنة وسلطان الشام الناصر بن العزيز مقيم في وطأة برزه ، ومعه جيوش كثيرة من الامراء وأبناء الملوك ليناجزوا التتار إن قدموا عليهم ، وكان في جملة من معه الأمير بيبرس البند قداري في جماعة من البحرية ، ولكن الكلمة بين الجيوش مختلفة غير مؤتلفة ، لما يريده الله عز وجل . وقد عزمت طائفة من الامراء على خلع الناصر وسجنه ومبايعة أخيه شقيقه الملك الظاهر علي ، فلما عرف الناصر ذلك هرب إلى القلعة وتفرقت العساكر شذر مذر