ابن كثير
251
البداية والنهاية
الدارة البارة ، وقف مدرسة للحنابلة ، وقبره بها إلى جانب تربة القاضي المصري في رأس درب الريحان من ناحية الجامع الأموي ، وقد ولي نظر الجامع مدة ، واستجد أشياء كثيرة منها سوق النحاسين قبلي الجامع ، ونقل الصاغة إلى مكانها الآن ، وقد كانت قبل ذلك في الصاغة العتيقة ، وجدد الدكاكين التي بين أعمدة الزيارة ، وثمر الجامع أموالا جزيلة ، وكانت له صدقات كثيرة ، وذكر عنه أنه كان يعرف صنعة الكيميا وأنه صح معه عمل الفضة ، وعندي أن هذا لا يصح ولا يصح عنه والله أعلم . الشيخ يوسف الأقميني كان يعرف بالأقميني لأنه كان يسكن قمين حمام نور الدين الشهيد ، وكان يلبس ثيابا طوالا تحف على الأرض ، ويبول في ثيابه ، ورأسه مكشوفة ، ويزعمون أن له أحوالا وكشوفا كثيرة ، وكان كثير من العوام وغيرهم يعتقدون صلاحه وولايته ، وذلك لأنهم لا يعلمون شرائط الولاية ولا الصلاح ، ولا يعلمون أن الكشوف قد تصدر من البر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، كالرهبان وغيرهم ، وكالدجال وابن صياد وغيرهم ، فإن الجن تسترق السمع وتلقيه على أذن الانسي ، ولا سيما من يكون مجنونا أو غير نقي الثياب من النجاسة ، فلا بد من اختبار صاحب الحال بالكتاب والسنة ، فمن وافق حاله كتاب الله وسنة رسوله فهو رجل صالح سواء كاشف أو لم يكاشف ، ومن لم يوافق فليس برجل صالح سواء كاشف أم لا . قال الشافعي : إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة . ولما مات هذا الرجل دفن بتربة بسفح قاسيون وهي مشهورة به شرقي الرواحية ، وهي مزخرفة قد اعتنى بها بعض العوام ممن كان يعتقده ، فزخرفها وعمل على قبره حجارة منقوشة بالكتابة ، وهذا كله من البدع ، وكانت وفاته في سادس شعبان من هذه السنة ، وكان الشيخ إبراهيم بن سيعد جيعانة لا يتجاسر فيما يزعم أن يدخل البلد والقميني حي ، فيوم مات الأقميني دخلها ، وكانت العوام معه فدخلوا دمشق وهم يصيحون ويصرخون أذن لنا في دخول البلد ، وهم أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ، فقيل لجيعانة : ما منعك من دخولها قبل اليوم ؟ فقال : كنت كلما جئت إلى باب من أبواب البلد أجد هذا السبع رابضا فيه فلا أستطيع الدخول ، وقد كان سكن الشاغور ، وهذا كذب واحتيال ومكر وشعبذة ، وقد دفن جيعانة عنده في تربته بالسفح والله أعلم بأحوال العباد . الشمس علي بن الشبي المحدث ناب في الحسبة عن الصدر البكري ، وقرأ الكثير بنفسه ، وسمع وأسمع ، وكتب بخطه كثيرا .