ابن كثير

220

البداية والنهاية

" لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ظهر بالمدينة النبوية دوي عظيم ، ثم زلزلة عظيمة رجفت منها الأرض والحيطان والسقوف والأخشاب والأبواب ، ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكور ، ثم ظهرت نار عظيمة في الحرة قريبة من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا ، وهي نار عظيمة إشعالها أكثر من ثلاث منارات ، وقد سالت أودية بالنار إلى وادي شظا مسيل الماء ، وقد مدت مسيل شظا وما عاد يسيل ، والله لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانا ، وقد سدت الحرة طريق الحاج العراقي ، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرة فوقفت بعد ما أشفقنا أن تجئ إلينا ، ورجعت تسيل في الشرق فخرج من وسطها سهود وجبال نيران تأكل الحجارة ، فيها أنموذج عما أخبر الله تعالى في كتابه ( إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر ) [ المرسلات : 32 ] وقد أكلت الأرض ، وقد كتبت هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع وخمسين وستمائة والنار في زيادة ما تغيرت ، وقد عادت إلى الحرار في قريظة طريق عير الحاج العراقي إلى الحرة كلها نيران تشتعل نبصرها في الليل من المدينة كأنها مشاعل الحاج . وأما أم النار الكبيرة فهي جبال نيران حمر ، والام الكبيرة التي سالت النيران منها من عند قريظة ، وقد زادت وما عاد الناس يدرون أي شئ يتم بعد ذلك ، والله يجعل العاقبة إلى خير ، فما أقدر أصف هذه النار " . قال أبو شامة : " وفي كتاب آخر فظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ووقع في شرقي المدينة المشرفة نار عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم : انفجرت من الأرض وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد ، ثم وقفت وعادت إلى الساعة ، ولا ندري ماذا نفعل ، ووقت ما ظهرت دخل أهل المدينة إلى نبيهم عليه الصلاة والسلام مستغفرين تائبين إلى ربهم تعالى ، وهذه دلائل القيامة " . قال " وفي كتاب آخر : لما كان يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة ، سنة أربع وخمسين وستمائة وقع بالمدينة صوت يشبه صوت الرعد البعيد تارة وتارة ، أقام على هذه الحالة يومين ، فلما كانت ليلة الأربعاء ثالث الشهر المذكور تعقب الصوت الذي كنا نسمعه زلازل ، فلما كان يوم الجمعة خامس الشهر المذكور انبجست الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي برأي العين من المدينة ، نشاهدها وهي ترمي بشرر كالقصر ، كما قال الله تعالى ، وهي بموضع يقال له أجيلين ( 1 ) وقد سال من هذه النار واد يكون مقداره أربع فراسخ ، وعرضه أربعة أميال ، وعمقه قامة ونصف ، وهي تجري على وجه الأرض ويخرج منها أمهاد وجبال صغار ، وتسير على وجه الأرض وهو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك . فإذا جمد صار أسود ، وقبل الجمود لونه

--> ( 1 ) بهامش المطبوعة : " وفي النسخة المصرية : الراجلين . وفي النجوم الزاهرة " اجيلين " وبهامشه : في تاريخ مكة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة : أخيلين " .