ابن كثير

221

البداية والنهاية

احمر ، وقد حصل بسبب هذه النار إقلاع عن المعاصي ، والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات ، وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة إلى أهلها " . قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة : " ومن كتاب شمس الدين بن سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني قاضي المدينة إلى بعض أصحابه : لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة حدث بالمدينة بالثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها ، وباتت باقي تلك الليلة تزلزل كل يوم وليلة قدر عشر نوبات ، والله لقد زلزلت مرة ونحن حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرب لها المنبر إلى أن أوجسنا منه [ إذ سمعنا ] صوتا للحديد الذي فيه ، واضطربت قناديل الحرم الشريف ، وتمت الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى ، ولها دوي مثل دوي الرعد القاصف ، ثم طلع يوم الجمعة في طريق الحرة في رأس أجيلين نار عظيمة مثل المدينة العظيمة ، وما بانت لنا إلا ليلة السبت وأشفقنا منها وخفنا خوفا عظيما ، وطلعت إلى الأمير كلمته وقلت له : قد أحاط بنا العذاب ، ارجع إلى الله تعالى ، فأعتق كل مماليكه ورد على جماعة أموالهم ، فلما فعل ذلك قلت : اهبط الساعة معنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فهبط وبتنا ليلة السبت والناس جميعهم والنسوان وأولادهم ، وما بقي أحد لا في النخيل ولا في المدينة إلا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم سار منها نهر من نار ، وأخذ في وادي أجيلين وسد الطريق ثم طلع إلى بحرة الحاج وهو بحر نار يجري ، وفوقه جمر يسير إلى أن قطعت الوادي وادي الشفا ، وما عاد يجئ في الوادي سيل قط لأنها حضرته نحو قامتين وثلث علوها ، والله يا أخي إن عيشتنا اليوم مكدرة والمدينة قد تاب جميع أهلها ، ولا بقي يسمع فيها رباب ولا دف ولا شرب ، وتمت النار تسيل إلى أن سدت بعض طريق الحاج وبعض بحرة الحاج ، وجاء في الوادي إلينا منها يسير وخفنا أنه يجيئنا فاجتمع الناس ودخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وتابوا عنده جميعهم ليلة الجمعة ، وأما قتيرها الذي مما يلينا فقد طفئ بقدرة الله وأنها إلى الساعة وما نقصت إلا ترى مثل الجمال حجارة ولها دوي ما يدعنا نرقد ولا نأكل ولا نشرب ، وما أقدر أصف لك عظمها ولا ما فيها من الأهوال ، وأبصرها أهل ينبع وندبوا قاضيهم ابن أسعد وجاء وعدا إليها ، وما صبح يقدر يصفها من عظمها ، وكتب الكتاب يوم خامس رجب ، وهي على حالها ، والناس منها خائفون ، والشمس والقمر من يوم ما طلعت ما يطلعان إلا كاسفين ، فنسأل الله العافية " . قال أبو شامة : وبان عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نورها على الحيطان ، وكنا حيارى من ذلك إيش هو ؟ إلى أن جاءنا هذا الخبر عن هذه النار . قلت : وكان أبو شامة قد أرخ قبل مجئ الكتب بأمر هذه النار ، فقال : وفيها في ليلة الاثنين السادس عشر من جمادى الآخرة خسف القمر أول الليل ، وكان شديد الحمرة ثم انجلى ، وكسفت الشمس ، وفي غده احمرت وقت طلوعها وغروبها وبقيت كذلك أياما متغيرة اللون ضعيفة النور ، والله على كل شئ قدير ، ثم قال : واتضح بذلك ما صوره الشافعي من اجتماع الكسوف والعيد ، واستبعده أهل النجامة .