ابن كثير
215
البداية والنهاية
وإذ لم أمت شوقا إلى ساكن الحمى * فما أنا فيما أدعيه صدوق أيا ربع ليلى ما المحبون في الهوى * سواء ، ولا كل الشراب رحيق ولا كل من تلقاه يلقاك قلبه * ولا كل من يحنو إليك مشوق تكاثرت الدعوى على الحب فاستوى * أسير صبابات الهوى وطليق أيها الآمنون ، هل فيكم من يصعد إلى السماء ؟ أيها المحبوسون في مطامير مسمياتهم ، هل فيكم سليم في الفهم يفهم رموز الوحوش والأطيار ؟ هل فيكم موسوي الشوق يقول بلسان شوقه أرني أنظر إليك ، فقد طال الانتظار ؟ ولما استسقى الناس قال بعد الاستسقاء : لما صعدت إلى الله عز وجل نفس المشتاق بكت آماق الآفاق ، وجادت بالدر مرضعة السحاب ، وامتص لبن الرحمة رضيع التراب وخرج من أخلاف الغمام نطاف الماء النمير ، فاهتزت به الهامدة ، وقرت عيون المدر ، وتزينت الرياض بالسندس الأخضر ، فحبر الصبغ حبرها أحسن تحبير ، وانفلق بأنملة الصبا أكمام الأنوار ، وانشقت بنفحات أنفاسه جيوب الأزهار ، ونطقت أجزاء الكائنات بلغات صفاتها ، وعادات عبرها : أيها النائمون تيقظوا ، أيها المبعدون تعرضوا ( فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى إنه عليه كل شئ قدير ) [ الروم : 50 ] . أبو الفتح نصر الله بن هبة الله ابن عبد الباقي بن هبة الله بن الحسين بن يحيى بن صاقعة الغفاري الكناني المصري ثم الدمشقي كان من أخصاء الملك المعظم ، وولده الناصر داود ، وقد سافر معه إلى بغداد في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ، وكان أديبا مليح المحاضرة رحمه الله تعالى . ومن شعره قوله : ولما أبيتم سادتي عن زيارتي * وعوضتموني بالبعاد عن القرب ولم تسمحوا بالوصل في حال يقظتي * ولم يصطبر عنكم لرقته قلبي نصبت لصيد الطيف جفني حبالة * فأدركت خفض العيش بالنوم والنصب ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وستمائة فيها دخل الشيخ نجم الدين البادرائي رسول الخليفة بين صاحب مصر وصاحب الشام ، وأصلح بين الجيشين ، وكانوا قد اشتد الحرب بينهم ونشبت ، وقد مالا الجيش المصري الفرنج ووعدهم أن يسلموا إليهم بيت المقدس إن نصروهم على الشاميين ، وجرت خطوب كثيرة ، فأصلح بينهم وخلص جماعة من بيوت الملوك من الديار المصرية ، منهم أولاد الصالح إسماعيل ، وبنت الأشرف وغيرهم من أولاد صاحب حمص وغيرهم ، جزاه الله خيرا . وفيها فيما ذكر ابن الساعي كان رجل ببغداد على رأسه زبادي قابسي فزلق فتكسرت ووقف يبكي ، فتألم الناس له