ابن كثير

183

البداية والنهاية

القاضي نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن خلف بن راجح المقدسي الحنبلي الشافعي ، المعروف بابن الحنبلي ، كان شيخا فاضلا دينا بارعا في علم الخلاف ، ويحفظ الجمع بين الصحيحين للحميدي ، وكان متواضعا حسن الأخلاق ، قد طاف البلدان يطلب العلم ثم استقر بدمشق ودرس بالفداوية والصارمية والشامية الجوانية وأم الصالح ، وناب في الحكم عن جماعة من القضاة إلى أن توفي بها ، وهو نائب الرفيع الجيلي ، وكانت وفاته يوم الجمعة سادس شوال ودفن بقاسيون . ياقوت بن عبد الله أمين الدين الرولي منسوب إلى بيت أتابك ، قدم بغداد مع رسول صاحب الموصل لؤلؤ . قال ابن الساعي ، اجتمعت به وهو شاب أديب فاضل ، يكتب خطا حسنا في غاية الجودة ، وينظم شعرا جيدا ، ثم روى عنه شيئا من شعره . قال وتوفي في جمادى الآخرة محبوسا . ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وستمائة فيها قصد الملك الجواد أن يدخل مصر ليكون في خدمة الصالح أيوب ، فلما وصل إلى الرمل توهم منه الصالح أيوب وأرسل إليه كمال الدين ابن الشيخ ليقبض عليه ، فرجع الجواد فاستجار بالناصر داود ، وكان إذ ذاك بالقدس الشريف ، وبعث منه جيشا فالتقوا مع ابن الشيخ فكسروه وأسروه فوبخه الناصر داود ثم أطلقه ، وأقام الجواد في خدمة الناصر حتى توهم منه فقيده وأرسله تحت الحوطة إلى بغداد ، فأطلقه بطن من العرب عن قوة ملجأ إلى صاحب دمشق مدة ، ثم انتقل إلى الفرنج ، ثم عاد إلى دمشق فحبسه الصالح إسماعيل بعزتا إلى أن مات في سنة إحدى وأربعين كما سيأتي ( 1 ) . وفيها شرع الصالح أيوب في بناء المدارس بمصر ، وبنى قلعة بالجزيرة غرم عليها شيئا كثيرا من بيت المال ، وأخذ أملاك الناس وخرب نيفا وثلاثين مسجدا ، وقطع ألف نخلة ( 2 ) . ثم أخربها

--> ( 1 ) قال أبو الفداء في تاريخه أن هلاكه كان سنة 638 ه‍ . بعد أن اعتقله الصالح إسماعيل صاحب دمشق ثم خنقه . ( 2 ) قال ابن إياس في بدائع الزهور 1 / 1 / 271 : وكانت هذه القلعة من محاسن الزمان ، وقد أسكن فيها مماليكه - وهو أول من جلب المماليك الأتراك إلى مصر حتى ضاقت بهم القاهرة وصاروا يشوشوا على الناس وينهبوا البضائع من الدكاكين فضج الناس بهم - البحرية وعمل لهذه القلعة ستين برجا محيطة بها وأشحنها بالأسلحة والآلات الحربية وادخر فيها الغلال خشية من محاصرة الفرنج . وفيها يقول ابن قادوس : انظر لحسن القلعة الغراء إذ * محاسنها مثل النجوم تلألأ