ابن كثير
174
البداية والنهاية
مختلفة ، من ذلك سعال وإسهال ونزلة في حلقه ، ونقرس في رجليه ، فاتفق موته في بيت صغير من دار القصبة ، وهو البيت الذي توفي فيه عمه الملك الناصر صلاح الدين ، ولم يكن عند الكامل أحد عند موته من شدة هيبته ، بل دخلوا فوجدوه ميتا رحمه الله تعالى . وقد كان مولده في سنة ست وسبعين وخمسمائة ، وكان أكبر أولاد العادل بعد مودود ، وإليه أوصى العادل لعلمه بشأنه وكمال عقله ، وتوفر معرفته ، وقد كان جيد الفهم يحب العلماء ، ويسألهم أسئلة مشكلة ، وله كلام جيد على صحيح مسلم ، وكان ذكيا مهيبا ذا بأس شديد ، عادل منصف له حرمة وافرة ، وسطوة قوية ، ملك مصر ثلاثين سنة ( 1 ) ، وكانت الطرقات في زمانه آمنة ، والرعايا متناصفة ، لا يتجاسر أحد أن يظلم أحدا ، شنق جماعة من الأجناد أخذوا شعيرا لبعض الفلاحين بأرض آمد ، واشتكى إليه بعض الركبدارية أن أستاذه استعمله ستة أشهر بلا أجرة ، فأحضر الجندي وألبسه قباب الركبدارية ، وألبس الركبداري ثياب الجندي ، وأمر الجندي أن يخدم الركبدار ستة أشهر على هذه الهيئة ، ويحضر الركبدار الموكب والخدمة حتى ينقضي الاجل فتأدب الناس بذلك غاية الأدب . وكانت له اليد البيضاء في رد ثغر دمياط إلى المسلمين بعد أن استحوذ عليه الفرنج لعنهم الله ، فرابطهم أربع سنين حتى استنقذه منهم ، وكان يوم أخذه له واسترجاعه إياه يوما مشهودا ، كما ذكرنا مفصلا رحمه الله تعالى . وكانت وفاته في ليلة الخميس الثاني والعشرين ( 2 ) من رجب من هذه السنة ، ودفن بالقلعة حتى كملت تربته التي بالحائط الشمالي من الجامع ذات الشباك الذي هناك قريبا من مقصورة ابن سنان ، وهي الكندية التي عند الحلبية ، نقل إليها ليلة الجمعة الحادي والعشرين من رمضان من هذه السنة ، ومن شعره يستحث أخاه الأشرف من بلاد الجزيرة حين كان محاصرا بدمياط : يا مسعفي إن كنت حقا مسعفي * فارحل بغير تقيد وتوقف واطو المنازل والديار ولا تنخ * إلا على باب المليك الأشرف قبل يديه لا عدمت وقل له : * عني بحسن تعطف وتلطف إن مات صنوك عن قريب تلقه * ما بين حد مهند ومثقف أو تبط عن إنجاده فلقاؤه * يوم القيامة في عراص الموقف ذكر ما جرى بعده كان قد عهد لولده العادل وكان صغيرا بالديار المصرية ، وبالبلاد الدمشقية ، ولولده
--> ( 1 ) في بدائع الزهور 1 / 268 : نحو عشرين سنة ، وفي تاريخ أبي الفداء 3 / 161 : عشرين سنة ، وكان بها نائبا قبل ذلك قريبا من عشرين سنة ، فحكم نائبا وملكا نحو أربعين سنة . ( 2 ) في تاريخ أبي الفداء : لتسع بقين من رجب ، وفي بدائع الزهور : في العشرين من رجب .