ابن كثير

175

البداية والنهاية

الصالح أيوب ببلاد الجزيرة ، فأمضى الامراء ذلك ، فأما دمشق فاختلف الامراء بها في الملك الناصر داود بن المعظم ، والملك الجواد مظفر الدين يونس بن مودود بن الملك العادل ، فكان ميل عماد الدين ابن الشيخ إلى الجواد ، وآخرون إلى الناصر ، وكان نازلا بدار أسامة ، فانتظم أمر الجواد وجاءت الرسالة إلى الناصر أن أخرج من البلد ، فركب من دار أسامة والعامة وراءه إلى القلعة لا يشكون في ولايته الملك ، فسلك نحو القلعة فلما جاوز العمادية عطف برأس فرسه نحو باب الفرج ، فصرخت العامة : لا لا لا ، فسار حتى نزل القابون عند وطأة برزة . فعزم بعض الامراء الأشرفية على مسكه ، فساق فبات بقصر أم حكيم ، وساقوا وراءه فتقدم إلى عجلون فتحصن بها وأمن . وأما الجواد فإنه ركب في أبهة الملك وأنفق الأموال والخلع على الامراء قال السبط : فرق ستة آلاف ألف دينار وخمسة آلاف خلعة ، وأبطل المكوس والخمور ، ونفى الخواطئ واستقر ملكه بدمشق ، واجتمع عليه الامراء الشاميون والمصريون ، ورحل الناصر داود من عجلون نحو غزة وبلاد الساحل فاستحوذ عليها ، فركب الجواد في طلبه ومعه العساكر الشامية والمصرية ، وقال للأشرفية كاتبوه وأطمعوه ، فلما وصلت إليه كتبهم طمع في موافقتهم ، فرجع في سبعمائة راكب إلى نابلس ، فقصده الجواد وهو نازل على جيتين ، والناصر على سبسطية ، فهرب منه الناصر فاستحوذوا على حواصله وأثقاله ، فاستغنوا بها وافتقر بسببها فقرا مدقعا ، ورجع الناصر إلى الكرك جريدة قد سلب أمواله وأثقاله ، وعاد الجواد إلى دمشق مؤيدا منصورا . وفيها اختلفت الخوارزمية على الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل صاحب كيفا ، وتلك النواحي ، وعزموا على القبض عليه ، فهرب منهم ونهبوا أمواله وأثقاله ، ولجأ إلى سنجار فقصده بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ليحاصره ويأخذه في قفص إلى الخليفة ، وكان أهل تلك الناحية يكرهون مجاورته لتكبره وقوة سطوته ، فلم يبق إلى أخذه إلا القليل ، فكاتب الخوارزمية واستنجد بهم ووعدهم بأشياء كثيرة ، فقدموا إليه جرائد ليمنعوه من البدر لؤلؤ ، فلما أحس بهم لؤلؤ هرب منهم فاستحوذوا على أمواله وأثقاله ، فوجدوا فيها شيئا كثيرا لا يحد ولا يوصف ، ورجع إلى بلده الموصل جريدة خائبا ، وسلم الصالح أيوب مما كان فيه من الشدة . وممن توفي فيها من الأعيان : محمد بن زيد ابن ياسين الخطيب جمال الدين الدولعي ، نسبة إلى قرية بأصل الموصل ، وقد ذكرنا ذلك عند ترجمة عمه عبد الملك بن ياسين الخطيب بدمشق أيضا ، وكان مدرسا بالغزالية مع الخطابة ،