ابن كثير
166
البداية والنهاية
بالمعاملات والرياضات ، ثم أقام آخر عمره بدمشق حتى مات بها ودفن بسفح قاسيون ، وقد حكي عنه أشياء حسنة منها أنه قال : اجتزت مرة في السياحة ببلدة فطالبتني نفسي بدخولها فآليت أن لا أستطعم منها بطعام ، ودخلتها فمررت برجل غسال فنظر إلي شزرا فخفت منه وخرجت من البلد هاربا ، فلحقني ومعه طعام فقال : كل فقد خرجت من البلد ، فقلت له : وأنت في هذا المقام وتغسل الثياب في الأسواق ؟ فقال : لا ترفع رأسك ولا تنظر إلى شئ من عملك ، وكن عبدا لله فإن استعملك في الحش فارض به ، ثم قال رحمه الله . ولو قيل لي مت قلت سمعا وطاعة * وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا وقال اجتزت مرة في سياحتي براهب في صومعة فقال لي : يا مسلم ما أقرب الطرق عندكم إلى الله عز وجل ؟ قلت : مخالفة النفس ، قال فرد رأسه إلى صومعته ، فلما كنت بمكة زمن الحج إذا رجل يسلم علي عند الكعبة فقلت من أنت ؟ فقال أنا الراهب ، قلت : بم وصلت إلى ها هنا ؟ قال بالذي قلت . وفي رواية عرضت الاسلام على نفسي فأبت ، فعلمت أنه حق فأسلمت وخالفتها ، فأفلح وأنجح . وقال بينا أنا ذات يوم بجبل لبنان إذا حرامية الفرنج فأخذوني فقيدوني وشدوا وثاقي فكنت عندهم في أضيق حال ، فلما كان النهار شربوا وناموا ، فبينا أنا موثوق إذا حرامية المسلمين قد أقبلوا نحوهم فأنبهتهم فلجأوا إلى مغارة هنالك فسلموا من أولئك المسلمين ، فقالوا : كيف فعلت هذا وقد كان خلاصك على أيديهم ؟ فقلت إنكم أطعمتموني فكان من حق الصحبة أن لا أغشكم ، فعرضوا علي شيئا من متاع الدنيا فأبيت وأطلقوني . وحكى السبط قال : زرته مرة ببيت المقدس وكنت قد أكلت سمكا مالحا ، فلما جلست عنده أخذني عطش جدا وإلى جانبه إبريق فيه ماء بارد فجعلت أستحيي منه ، فمد يده إلى الإبريق وقد احمر وجهه وناولني وقال خذ ، كم تكاسر ، فشربت . وذكر أنه لما ارتحل من بيت المقدس كان سورها بعد قائما جديدا على عمارة الملك صلاح الدين قبل أن يخربه المعظم ، فوقف لأصحابه يودعهم ونظر إلى السور ، وقال : كأني بالمعاول وهي تعمل في هذا السور عما قريب ، فقيل له معاول المسلمين أو الفرنج ؟ فقال بل معاول المسلمين ، فكان كما قال . وقد ذكرت له أحوال كثيرة حسنة ، ويقال إن أصله أرمني وإنه أسلم على يدي الشيخ عبد الله اليونيني ، وقيل بل أصله رومي من قونية ، وأنه قدم على الشيخ عبد الله اليونيني وعليه برنس كبرانس الرهبان ، فقال له : أسلم فقال : أسلمت لرب العالمين . وقد كانت أمه داية امرأة الخليفة ، وقد جرت له كائنة غريبة فسلمه الله بسبب ذلك ، وعرفه الخليفة فأطلقه . ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وستمائة فيها خرب الملك الأشرف بن العادل خان الزنجاري الذي كان بالعقيبة فيه خواطئ وخمور ومنكرات متعددة ، فهدمه وأمر بعمارة جامع مكانه سمي جامع التوبة ، تقبل الله تعالى منه .