ابن كثير

145

البداية والنهاية

فتسلموا القدس الشريف ، وكان المعظم قد هدم أسواره ، فعظم ذلك على المسلمين جدا وحصل وهن شديد وإرجاف عظيم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ثم قدم الملك الكامل فحاصر دمشق وضيق على أهلها فقطع الأنهار ونهبت الحواصل وغلت الأسعار ، ولم يزل الجنود حولها حتى أخرج منها ابن أخيه صلاح الدين الملك الناصر داود بن المعظم ، على أن يقيم ملكا بمدينة الكرك والشوبك ونابلس وبرا ما بين الغور والبلقاء ويكون الأمير عز الدين أيبك أستاذ دار المعظم صاحب صرخد ، ثم تقايض الأشرف وأخاه الكامل فأخذ الأشرف دمشق وأعطى أخاه حران والرها والرقة ورأس العين وسروج ، ثم سار الكامل فحاصر حماه وكان صاحبها الملك المنصور بن تقي الدين عمر قد توفي وعهد بالامر من بعده إلى أكبر ولده المظفر محمد ، وهو زوج بنت الكامل ، فاستحوذ على حماة أخوه صلاح الدين قلج أرسلان فحاصره الكامل حتى أنزله من قلعتها وسلمها إلى أخيه المظفر محمد ، ثم سار فتسلم البلاد التي قايض بها عن دمشق من أخيه الملك الأشرف كما ذكرنا ، وكان الناس بدمشق قد اشتغلوا بعلم الأوائل في أيام الملك الناصر داود ، وكان يعاني ذلك وقديما نسبه بعضهم إلى نوع من الانحلال فالله أعلم ، فنادى الملك الأشرف بالبلدان أن لا يشتغل الناس بذلك وأن يشتغلوا بعلم التفسير والحديث والفقه ، وكان سيف الدين الآمدي مدرسا بالعزيزية فعزله عنها وبقي ملازما منزله حتى مات في سنة إحدى وثلاثين كما سيأتي . وفيها كان الناصر داود قد أضاف إلى قاضي القضاة شمس الدين بن الخولي القاضي محيي الدين يحيى بن محمد بن علي بن الزكي ، فحكم أياما بالشباك ، شرقي باب الكلاسة ، ثم صار الحكم بداره ، مشاركا لابن الخولي . وممن توفي فيها من الأعيان : الملك المسعود اقسيس ( 1 ) بن الكامل صاحب اليمن ، وقد ملك مكة سنة تسع عشرة فأحسن بها المعدلة ، ونفى الزيدية منها ، وأمنت الطرقات والحجاج ، ولكنه كان مسرفا على نفسه ، فيه عسف وظلم أيضا . وكانت وفاته بمكة ودفن بباب المعلى .

--> ( 1 ) في تاريخ أبي الفداء : يوسف الملقب أطسز والمعروف بأقسيس : وأقسيس بلغة اليمن : الموت . وكانت مدة ملكه على اليمن 14 سنة وكان عمره يوم مات 26 سنة .