ابن كثير

61

البداية والنهاية

فلما مات وقام ولده مسعود بعده قاتلهم وقاتلوه مرارا ، فكانوا يهزمونه في أكثر المواقف ، واستكمل لهم ملك خراسان بأسرها ، ثم قصدهم مسعود في جنود يضيق بهم الفضاء فكسروه ، وكبسه مرة داود فانهزم مسعود فاستحوذ على حواصله وخيامه ، وجلس على سريره ، وفرق الغنائم على جيشه ، ومكث جيشه على خيولهم لا ينزلون عنها ثلاثة أيام ، خوفا من دهمة العدو ، وبمثل هذا تم لهم ما راموه ، وكمل لهم جميع ما أملوه ، ثم كان من سعادتهم أن الملك مسعود توجه نحو بلاد الهند لسبي بها وترك مع ولده مودود جيشا كثيفا بسبب قتال السلاجقة ، فلما عبر الجسر الذي على سيحون نهبت جنوده حواصله ، واجتمعوا على أخيه محمد بن محمود ، وخلعوا مسعودا فرجع إليهم مسعود فقاتلهم فهزموه وأسروه ، فقال له أخوه : والله لست بقاتلك على شر صنيعك إلي ، ولكن اختر لنفسك أي بلد تكون فيه أنت وعيالك ، فاختار قلعة كبرى ، وكان بها ، ثم إن الملك محمدا أخا مسعود جعل لولده الامر من بعده ، وبايع الجيش له ، وكان ولده اسمه أحمد ، وكان فيه هرج ، فاتفق هو ويوسف بن سبكتكين على قتل مسعود ليصفو لهم الامر ، ويتم لهم الملك ، فسار إليه أحمد من غير علم أبيه فقتله ، فلما علم أبوه بذلك غاظه وعتب على ابنه عتبا شديدا ، وبعث إلى ابن أخيه يعتذر إليه ويقسم له أنه لم يعلم بذلك ، حتى كان ما كان . فكتب إليه مودود بن مسعود : رزق الله ولدك المعتوه عقلا يعيش به ، فقد ارتكب أمرا عظيما ، وقدم على إراقة دم مثل والدي الذي لقبه أمير المؤمنين بسيد الملوك والسلاطين ، وستعلمون أي حيف تورطتم ، وأي شر تأبطتم ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) [ الشعراء : 227 ] ثم سار إليهم في جنود فقاتلهم فقهرهم وأسرهم ، فقتل عمه محمدا وابنه أحمد وبني عمه كلهم ، إلا عبد الرحمن وخلقا من رؤس أمرائهم ، وابتنى قرية هنالك وسماها فتحا أباذا ، ثم سار إلى غزنة فدخلها في شعبان ، فأظهر العدل وسلك سيرة جده محمود ، فأطاعه الناس ، وكتب إليه أصحاب الأطراف بالانقياد والاتباع والطاعة ، غير أنه أهلك قومه بيده ، وهذا من جملة سعادة السلاجقة . وفيها اختلف أولاد حماد على العزيز ( 1 ) باديس صاحب إفريقية ، فسار إليهم فحاصرهم قريب من سنتين ، ووقع بإفريقية في هذه السنة غلاء شديد بسبب تأخر المطر ، ووقع ببغداد فتنة عظيمة بين الروافض والسنة من أهل الكرخ ، وأهل باب البصرة ، فقتل بينهم خلق كثير من الفريقين . ولم يحج أحد من أهل العراق وخراسان . وممن توفي فيها من الأعيان . . . محمد بن الحسين ابن الفضل بن العباس ، أبو يعلى البصري الصوفي ، أذهب عمره في الاسفار والتغريب

--> ( 1 ) في الكامل 9 / 492 : المعز بن باديس .