ابن كثير

53

البداية والنهاية

والغيب أحيانا يلوح * كأنه ثوب ممسك وكأن تجعيد الريا * لدجلة ثوب مفرك وكأن نشر المسك * ينفخ في النسيم إذا تحرك وكأنما المنثور مصفر * الذرى ذهب مسبك والنور يبسم في الرياض * فإن نظرت إليه سرك شارطت نفسي أن أقوم * بحقها والشرط أملك حتى تولى الليل * منهزما وجاء الصبح يضحك وذا الفتى لو أنه * في طيب العيش يترك والدهر يحسب عمره * فإذا أتاه الشيب فذلك أبو علي بن سينا الطبيب الفيلسوف ، الحسين ( 1 ) بن عبد الله بن سينا الرئيس ، كان بارعا في الطب في زمانه ، كان أبوه من أهل بلخ ، وانتقل إلى بخارى ، واشتغل بها فقرأ القرآن وأتقنه ، وهو ابن عشر سنين ، وأتقن الحساب والجبر والمقابلة وإقليدس والمجسطي ، ثم اشتغل على أبي عبد الله الناتلي الحكيم ، فبرع فيه وفاق أهل زمانه في ذلك ، وتردد الناس إليه واشتغلوا عليه ، وهو ابن ست عشرة سنة ، وعالج بعض الملوك السامانية ، وهو الأمير نوح بن نصر ، فأعطاه جائزة سنية ، وحكمه في خزانة كتبه ، فرأى فيها من العجائب والمحاسن مالا يوجد في غيرها ، فيقال إنه عزا بعض تلك الكتب إلى نفسه ، وله في الإلهيات والطبيعيات كتب كثيرة ، قال ابن خلكان : له نحو من مائة مصنف ، صغار وكبار ، منها القانون ، والشفا ، والنجاة ، والإشارات ، وسلامان ، وإنسان ، وحي بن يقظان ، وغير ذلك . قال وكان من فلاسفة الاسلام ، وأورد له من الاشعار قصيدته في نفسه ( 2 ) التي يقول فيها : هبطت إليك من المقام ( 3 ) الا رفع * ورقاء ذات تعزز وتمنع محجوبة عن كل مقلة عارف * وهي التي سفرت ولم تتبرقع وصلت على كره إليك وربما * كرهت فراقك وهي ذات تفجع وهي قصيدة طويلة وله :

--> ( 1 ) من الوافي ووفيات الأعيان ومختصر أخبار البشر ، وفي الأصل والجواهر المضية : " الحسن " تحريف . ( 2 ) في الوافي والوفيات : في النفس . ( 3 ) في الوافي 12 / 407 والوفيات 2 / 160 : من المحل .