ابن كثير

54

البداية والنهاية

اجعل غذاءك كل يوم مرة * واحذر طعاما قبل هضم طعام واحفظ منيك ما استطعت فإنه * ماء الحياة يراق في الأرحام وذكر أنه مات بالقولنج في همذان ، وقيل بأصبهان ، والأول أصح ، يوم الجمعة في شهر رمضان منها ، عن ثمان وخمسين سنة . قلت : قد حصر الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة ، ثم رد عليه في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلسا له ، كفره في ثلاث منها ، وهي قوله بقدم العالم ، وعدم المعاد الجثماني ، وأن الله لا يعلم الجزئيات ، وبدعه في البواقي ، ويقال إنه تاب عند الموت فالله أعلم . ثم دخلت سنة تسع وعشرين وأربعمائة فيها كان بدو ملك السلاجقة ، وفيها استولى ركن الدولة أبو طالب طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق ، على نيسابور ( 1 ) ، وجلس على سرير ملكها ، وبعث أخاه داود إلى بلاد خراسان فملكها وانتزعها من نواب الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين . وفيها قتل جيش المصريين لصاحب حلب وهو شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس ، واستولوا على حلب وأعمالها . وفيها سأل جلال الدولة الخليفة أن يلقب ملك الدولة ، فأجابه إلى ذلك بعد تمنع . وفيها استدعى الخليفة بالقضاة والفقهاء وأحضر جاثليق النصارى ورأى جالوت اليهود ، وألزموا بالغيار . وفي رمضان منها لقب جلال الدولة شاهنشاه الأعظم ملك الملوك ، بأمر الخليفة ، وخطب له بذلك على المنابر ، فنفرت العامة من ذلك ورموا الخطباء بالآجر ، ووقعت فتنة شديدة بسبب ذلك ، واستفتوا القضاة والفقهاء في ذلك فأفتى أبو عبد الله الصيمري أن هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنية ، وقد قال تعالى ( إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ) [ البقرة : 247 ] وقال ( وكان وراءهم ملك ) [ الكهف : 79 ] وإذا كان في الأرض ملوك جاز أن يكون بعضهم فوق بعض ، وأعظم من بعض ، وليس في ذلك ما يوجب النكير والمماثلة بين الخالق والمخلوقين . وكتب القاضي أبو الطيب الطبري : أن إطلاق ملك الملوك جائز ، ويكون معناه ملك ملوك الأرض ، وإذا جاز أن يقال كافي الكفاة وقاضي القضاة ، جاز أن يقال ملك الملوك ، وإذا كان في اللفظ ما يدل على أن المراد به ملوك الأرض ، زالت الشبهة ، ومنه قولهم : اللهم أصلح الملك ، فيصرف الكلام إلى المخلوقين . وكتب التميمي الحنبلي نحو ذلك ، وأما الماوردي صاحب الحاوي الكبير فقد نقل عنه أنه أجاز ذلك أيضا ، والمشهور عنه ما نقله ابن الجوزي والشيخ أبو منصور بن الصلاح في أدب المفتي أنه منع من ذلك وأصر على المنع من ذلك ، مع صحبته للملك جلال الدولة ، وكثرة ترداده إليه ، ووجاهته عنده ، وأنه

--> ( 1 ) في العبر لابن خلدون 4 / 452 : سنة إحدى وثلاثين .