ابن كثير
42
البداية والنهاية
اتساعها وكثرة أهلها مائة واحد . وفيها وقع بين الجيش وبين جلال الدولة فاتفق على خروجه إلى البصرة منفيا ، ورد كثيرا من جواريه ، واستبقى بعضهن معه ، وخرج من بغداد ليلة الاثنين سادس ربيع الأول منها . وكتب الغلمان الاسفهلارية إلى الملك أبي كاليجار ليقدم عليهم ، فلما قدم تمهدت البلاد ولم يبق أحد من أهل العناد والالحاد ، ونهبوا دار جلال الدولة وغيرها ، وتأخر مجئ أبي كاليجار ، وذلك أن وزيره أشار عليه بعدم القدوم إلى بغداد . فأطاعه في ذلك ، فكثر العيارون وتفاقم الحال ، وفسد البلد ، وافتقر جلال الدولة بحيث أن احتاج إلى أن باع بعض ثيابه في الأسواق ، وجعل أبو كاليجار يتوهم من الأتراك ويطلب منهم رهائن ، فلم يتفق ذلك ، وطال الفصل فرجعوا إلى مكاتبة جلال الدولة ، وأن يرجع إلى بلده ، وشرعوا يعتذرون إليه ، وخطبوا له في البلد على عادته ، وأرسل الخليفة الرسل إلى الملك كاليجار ، وكان فيمن بعث إليه القاضي أبو الحسن الماوردي ، فسلم عليه مستوحشا منه ، وقد تحمل أمرا عظيما ، فسأل من القضاة أن يلقب بالسلطان الأعظم مالك الأمم ، فقال الماوردي : هذا ما لا سبيل إليه ، لان السلطان المعظم هو الخليفة ، وكذلك مالك الأمم ، ثم اتفقوا على تلقيبه بملك الدولة ، فأرسل مع الماوردي تحفا عظيمة منها ألف ألف دينار سابورية ، وغير ذلك من الدراهم آلاف مؤلفة ، والتحف والالطاف ، واجتمع الجند على طلب من الخليفة فتعذر ذلك فراموا أن يقطعوا خطبته ، فلم تصل الجمعة ، ثم خطب له من الجمعة القابلة ، وتخبط البلد جدا ، وكثر العيارون . ثم في ربيع الآخر منها حلف الخليفة لجلال الدولة بخلوص النية وصفائها ، وأنه على ما يحب من الصدق وصلاح السريرة . ثم وقع بينهما بسبب جلال الدولة وشربه النبيذ وسكره . ثم اعتذر إلى الخليفة واصطلحا على فساد . وفي رجب علت الأسعار جدا ببغداد وغيرها ، من أرض العراق . ولم يحج أحد منهم . وفيها وقع موتان عظيم ببلاد الهند وغزنة وخراسان وجرجان والري وأصبهان ، وخرج منها في أدنى مدة أربعون ألف جنازة . وفي نواحي الموصل والجبل وبغداد طرف قوي من ذلك بالجدري ، بحيث لم تخل دار من مصاب به ، واستمر ذلك في حزيران وتموز وآذار وأيلول وتشرين الأول والثاني ، وكان في الصيف أكثر منه في الخريف . قاله ابن الجوزي في المنتظم . وقد رأى رجل في منامه من أهل أصبهان في هذه السنة مناديا ينادي بصوت جهوري : يا أهل أصبهان سكت ، نطق سكت ، نطق ، فانتبه الرجل مذعورا فلم يدر أحد تأويلها ما هو ، حتى قال رجل بيت أبي العتاهية فقال : احذروا يا أهل أصبهان فإني قرأت في شعر أبي العتاهية قوله : سكت الدهر زمانا عنهم * ثم أبكاهم دما حين نطق فما كان إلا قليل حتى جاء الملك مسعود بن محمود فقتل منهم خلقا كثيرا ، حتى قتل الناس في الجوامع . وفي هذه السنة ظفر الملك أبو كاليجار بالخادم جندل ( 1 ) فقتله ، وكان قد استحوذ على
--> ( 1 ) في الكامل 9 / 427 : صندل .