ابن كثير
11
البداية والنهاية
وممن توفي فيها من الأعيان الأصيفر الذي كان يخفر الحجاج . أحمد بن موسى بن مردويه ابن فورك ، أبو بكر الحافظ الأصبهاني ، توفي في رمضان منها . هبة الله بن سلامة أبو القاسم الضرير المقرئ المفسر ، كان من أعلم الناس وأحفظهم للتفسير ، وكانت له حلقة في جامع المنصور ، روى ابن الجوزي بسنده إليه قال : كان لنا شيخ نقرأ عليه فمات بعض أصحابه فرآه في المنام فقال له : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي . قال : فما كان حالك مع منكر ونكير ؟ قال : لما أجلساني وسألاني ألهمني الله أن قلت : بحق أبي بكر وعمر دعاني ، فقال أحدهما للآخر : قد أقسم بعظيمين فدعه ، فتركاني وذهبا . ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة فيها عدم الحاكم بمصر ، وذلك أنه لما كان ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوال فقد الحاكم بن المعز الفاطمي صاحب مصر ، فاستبشر المؤمنون والمسلمون بذلك ، وذلك لأنه كان جبارا عنيدا ، وشيطانا مريدا . ولنذكر شيئا من صفاته القبيحة ، وسيرته الملعونة ، أخزاه الله . كان كثير التلون في أفعاله وأحكامه وأقواله ، جائرا ، وقد كان يروم أن يدعي الألوهية كما ادعاها فرعون ، فكان قد أمر الرعية إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه أن يقوم الناس على أقدامهم صفوفا ، إعظاما لذكره واحتراما لاسمه ، فعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين ، وكان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجدا له ، حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم ، ممن كان لا يصلي الجمعة ، وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره ويسجدون للحاكم ، وأمر في وقت لأهل الكتابين بالدخول في دين الاسلام كرها ، ثم أذن لهم في العود إلى دينهم ، وخرب كنائسهم ثم عمرها ، وخرب القمامة ثم أعادها ، وابتنى المدارس . وجعل فيها الفقهاء والمشايخ ، ثم قتلهم وأخربها ، وألزم الناس بغلق الأسواق نهارا ، وفتحها ليلا ، فامتثلوا ذلك دهرا طويلا ، حتى اجتاز مرة برجل يعمل النجارة في أثناء النهار . فوقف عليه فقال : ألم أنهكم ؟ فقال : يا سيدي لما كان الناس يتعيشون بالنهار كانوا يسهرون بالليل ، ولما كانوا يتعيشون بالليل سهروا بالنهار فهذا من جملة السهر ، فتبسم وتركه . وأعاد الناس إلى أمرهم الأول ، وكل هذا تغيير للرسوم ، واختبار لطاعة العامة له ، ليرقى في ذلك إلى ما هو أشر وأعظم منه . وقد كان يعمل