ابن كثير
12
البداية والنهاية
الحسبة بنفسه فكان يدور بنفسه في الأسواق على حمار له - وكان لا يركب إلا حمارا - فمن وجده قد غش في معيشة أمر عبدا أسود معه يقال له مسعود ، أن يفعل به الفاحشة العظمى ، وهذا أمر منكر ملعون ، لم يسبق إليه ، وكان قد منع النساء من الخروج من منازلهن ( 1 ) وقطع شجر الأعناب حتى لا يتخذ الناس منها خمرا ( 2 ) ، ومنعهم من طبخ الملوخية ( 3 ) ، وأشياء من الرعونات التي من أحسنها منع النساء من الخروج ، وكراهة الخمر ، وكانت العامة تبغضه كثيرا ، ويكتبون له الأوراق بالشتيمة البالغة له ولأسلافه ، في صورة قصص ، فإذا قرأها ازداد غيظا وحنقا عليهم ، حتى إن أهل مصر عملوا صورة امرأة من ورق بخفيها وإزارها . وفي يدها قصة من الشتم واللعن والمخالفة شئ كثير ، فلما رآها ظنها امرأة ، فذهب من ناحيتها وأخذ القصة من يدها فقرأها فرأى ما فيها ، فأغضبه ذلك جدا ، فأمر بقتل المرأة ، فلما تحققها من ورق ازداد غيظا إلى غيظه ، ثم لما وصل إلى القاهرة أمر السودان أن يذهبوا إلى مصر فيحرقوها وينهبوا ما فيها من الأموال والمتاع والحريم ، فذهبوا فامتثلوا ما أمر هم به ، فقاتلهم أهل مصر قتالا شديدا ، ثلاثة أيام ، والنار تعمل في الدور والحريم ، وهو في كل يوم قبحه الله ، يخرج فيقف من بعيد وينظر ويبكي ويقول : من أمر هؤلاء العبيد بهذا ؟ ثم اجتمع الناس في الجوامع ورفعوا المصاحف وصاروا إلى الله عز وجل ، واستغاثوا به ، فرق لهم الترك والمشارقة وانحازوا إليهم ، وقاتلوا معهم عن حريمهم ودورهم ، وتفاقم الحال جدا ، ثم ركب الحاكم لعنه الله ففصل بين الفريقين ، وكف العبيد عنهم ، وكان يظهر التنصل مما فعله العبيد وأنهم ارتكبوا ذلك من غير علمه وإذنه ، وكان ينفذ إليهم السلاح ويحثهم على ذلك في الباطن ، وما انجلى الامر حتى احترق من مصر نحو ثلثها ، ونهب قريب من نصفها ، وسبيت نساء وبنات كثيرة وفعل معهن الفواحش والمنكرات ، حتى أن منهن من قتلت نفسها خوفا من العار والفضيحة ، واشترى الرجال منهم من سبي لهم من النساء والحريم ، قال ابن الجوزي : ثم ازداد ظلم الحاكم حتى عن له أن يدعي الربوبية ، فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون : يا واحد يا أحد يا محيي يا مميت قبحهم الله جميعا . صفة مقتله لعنه الله كان قد تعدى شره إلى الناس كلهم حتى إلى أخته ( 4 ) ، وكان يتهمها بالفاحشة ، ويسمعها
--> ( 1 ) أصدر مرسومه الشهير هذا في شعبان سنة 404 ه . ( 2 ) صدر مرسوم في ربيع الأول سنة 399 ه وصدر مرسوم في محرم 402 وأتبعه بمرسوم جديد في جمادى الآخرة سنة 403 بشأن الخمر وتحريم المسكرات والفقاع والزبيب وجميع الأعناب ، وهكذا خصت الخمر ومصادرها طوال عهد الحاكم بأقسى المطاردات وأعنفها ( انظر الخطط للمقريزي 4 / 72 وابن خلكان 2 / 166 ) . ( 3 ) صدر مرسوم منع أكل الملوخية في المحرم سنة 395 . ( 4 ) واسمها ست الملك ( الكامل - العبر ) .