السيد محمد جعفر الجزائري المروج
51
منتهى الدراية
--> العقلاء على المدح والذم ، إذ استحقاقهما من أهم سبل حفظ النظام وموانع اختلاله . ومبنى قاعدة الملازمة أن الشارع بما أنه رئيس العقلاء وواهب العقل ومنزه عن الاغراض النفسية فهو أيضا يحكم بالمدح والذم ، ومدحه ثوابه وذمه عقابه . وحيث إن المدح والذم من صفات الأفعال الاختيارية ، فلا بد أن يصدر العنوان الممدوح أو المذموم بما هو عن قصد وعمد ، لا صدور ذات الفعل المعنون فقط ، مثلا إذا صدر منه الضرب بالاختيار بدون قصد التأديب لكن ترتب عليه الأدب قهرا لم يصدر من الضارب التأديب الممدوح ، ومن الواضح أن صدوره بعنوانه بالاختيار ليس إلا بكون الفعل بما له من العنوان الممدوح الملتفت إليه الذي لا وعاء له إلا وجدان فاعله صادرا منه بالإرادة المتعلقة بعنوانه ، ووجوده الواقعي ليس محكوما بالحسن والقبح حتى يشك في بقائه ، بل ما لم يحرز ذلك العنوان فهو مقطوع الارتفاع . إذا تحقق هذا تعرف أن لا معنى للشك في نفس الحكم ولا في موضوعه الكلي ولا في الموضوع الخارجي ، للقطع بالارتفاع . لا لأجل أن الحاكم هو العقل الذي لا يشك في حكم نفسه ، فإنه ممنوع أولا بعدم الحكم للعقل ، وانما شأنه التعقل والادراك . وثانيا : أن المناط في حكم العقل عنوان لموضوعه ، ولأجله يشك في بقاء الموضوع ، فكيف يتصور القطع بانتفاء حكم العقل ؟ مع أن العلة والمعلول متلازمان قطعا وظنا وشكا ، فإذا كانت العلة مشكوكة كان المعلول مشكوكا فيه لا مقطوع العدم سواء أريد به حكم العقل أم الشرع ، إذ المفروض أنه لا علة له إلا ما هو حكم العقل . ومنه ظهر أن ما أفاده الماتن من كون انتفاء الحكم العقلي من انتفاء الكاشف وهو لا يستدعي انتفاء المكشوف غير ظاهر ، لما عرفت من أن الاضرار ليس بوجوده الواقعي مناطا للقبح والعقاب ليعلم تارة ويشك فيه أخرى ، بل بوجوده في وعاء وجدان العقل ، فالمناط مع عدم إحرازه مقطوع العدم ، لان المدح والذم