ابن كثير
99
البداية والنهاية
الناس أخاه محمدا ، فازداد الناس حنقا على المنصور وأصبح فعسكر بالناس واستناب على البصرة نميلة وخلف ابنه حسنا معه . ولما بلغ المنصور خبره تحير في أمره وجعل يتأسف على ما فرق من جنده في الممالك ، وكان قد بعث مع ابنه المهدي ثلاثين ألفا إلى الري ، وبعث مع محمد بن الأشعث إلى إفريقية أربعين ألفا والباقون مع عيسى بن موسى بالحجاز ، ولم يبق مع المنصور سوى ألفي فارس . وكان يأمر بالنيران الكثيرة فتوقد ليلا ، فيحسب الناظر إليها أن ثم جندا كثيرا . ثم كتب المنصور إلى عيسى بن موسى : إذا قرأت كتابي هذا فأقبل من فورك ودع كل ما أنت فيه . فلم ينشب أن أقبل إليه فقال له : اذهب إلى إبراهيم بالبصرة ولا يهولنك كثرة من معه ، فإنهم جملا بني هاشم المقتولان جميعا ، فابسط يدك وثق بما عندك وستذكر ما أقول لك فكان الامر كما قال المنصور . وكتب المنصور إلى ابنه المهدي أن يوجه خازم بن خزيمة في أربعة آلاف إلى الأهواز ، فذهب إليها فأخرج منها نائب إبراهيم - وهو المغيرة - وأباحها ثلاثة أيام ، ورجع المغيرة إلى البصرة ، وكذلك بعث إلى كل كورة من هذه الكور التي نقضت بيعته جندا يردون أهلها إلى الطاعة . قالوا : ولزم المنصور موضع مصلاه فلا يبرح منه ليلا ونهارا في ثياب بذلة قد اتسخت ، فلم يزل مقيما هناك بضعا وخمسين يوما حتى فتح الله عليه . وقد قيل له في غبون ذلك : إن نساءك قد خبثت نفسهن لغيبتك عنهن . فانتهر القائل وقال : ويحك ليست هذه أيام نساء ، حتى أرى رأس إبراهيم بين يدي ، أو يحمل رأسي إليه . وقال بعضهم : دخلت على المنصور وهو مهموم من كثرة ما وقع من الشرور ، وهو لا يستطيع أن يتابع الكلام من كثرة همه ، وما تفتق عليه من الفتوق والخروق ، وهو مع ذلك قد أعد لكل أمر ما يسد خلله به ، وقد خرجت عن يده البصرة والأهواز وأرض فارس والمدائن وأرض السواد ، وفي الكوفة عنده مائة ألف مغمدة سيوفها تنتظر به صيحة واحدة ، فيثبون مع إبراهيم ، وهو مع ذلك يعرك النوائب ويمرسها ولم تقعد به نفسه وهو كما قال الشاعر : نفس عصام سودت عصاما * وعلمته الكر والاقداما فصيرته ملكا هماما وأقبل إبراهيم بعساكر من البصرة إلى الكوفة في مائة ألف مقاتل فأرسل إليه المنصور عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفا ، وعلى مقدمته حيمد بن قحطبة في ثلاثة آلاف . وجاء إبراهيم فنزل في باخمرى ( 1 ) في جحافل عظيمة ، فقال له بعض الأمراء : إنك قد اقتربت من المنصور فلو أنك سرت إليه بطائفة من جيشك لاخذت بقفاه فإنه ليس عنده من الجيوش ما يردون عنه . وقال آخرون : إن الأولى أن نناجز هؤلاء الذين بإزائنا ، ثم هو في قبضتنا . فثناهم ذلك عن الرأي الأول . ولو فعله لتم لهم
--> ( 1 ) وهي من الكوفة على ستة عشر فرسخا من أرض الطف .