ابن كثير
100
البداية والنهاية
الامر . ثم قال بعضهم : خندق حول الجيش . وقال آخرون : إن هذا الجيش لا يحتاج إلى خندق حوله ، فترك ذلك . ثم أشار بعضهم أن يبيت جيش عيسى بن موسى فقال إبراهيم : أنا لا أرى ذلك ، فتركه . ثم أشار آخرون بأن يجعل جيشه كراديس فإن غلب كردوس ثبت الآخر ، وقال آخرون : الأولى أن نقاتل صفوفا لقوله تعالى : ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) [ الصف : 4 ] . والامر لله وما شاء فعل ولو ساروا إلى الكوفة وبيتوا الجيش أو جعل جيشه كراديس لتم له الامر مع تقدير الله تعالى . وأقبل الجيشان فتصافوا في باخمرى وهي على ستة عشر فرسخا من الكوفة فاقتتلوا بها قتالا شديدا فانهزم حميد بن قحطبة بمن معه من المقدمة ، فجعل عيسى يناشدهم الله في الرجوع والكرة فلا يلوي عليه أحد ، وثبت عيسى بن موسى في مائة رجل من أهله ، فقيل له : لو تنحيت من مكانك هذا لئلا يحطمك جيش إبراهيم فقال والله لا أزول منه حتى يفتح الله لي أو أقتل ها هنا . وكان المنصور قد تقدم إليه بما أخبره به بعض المنجمين أن الناس يكون لهم جولة عن عيسى بن موسى ثم يقومون إليه وتكون العاقبة له ، فاستمر المنهزمون ذاهبين فانتهوا إلى نهر بين جبلين فلم يمكنهم خوضه فكروا راجعين بأجمعهم ، وكان أول راجع حميد بن قحطبة الذي كان أول من انهزم . ثم اجتلدوا هم وأصحاب إبراهيم فاقتتلوا قتالا شديدا ، وقتل من كلا الفريقين خلق كثير ، ثم انهزم أصحاب إبراهيم وثبت هو في خمسمائة ، وقيل في أربعمائة ، وقيل في تسعين رجلا ، واستظهر عيسى بن موسى وأصحابه ، وقتل إبراهيم في جملة من قتل واختلط رأسه مع رؤوس أصحابه ، فجعل حميد يأتي بالرؤوس إلى عيسى بن موسى حتى عرفوا رأس إبراهيم فبعثوه مع البشير إلى المنصور ، وكان نيبخت المنجم قد دخل على المنصور قبل مجئ الرأس فأخبره أن إبراهيم مقتول فلم يصدقه ، فقال : يا أمير المؤمنين إن لم تصدقني فاحبسني فإن لم يكن الامر كما ذكرت فاقتلني . فبينا هو عنده إذ جاء البشير بهزيمة جيش إبراهيم ، ولما جئ بالرأس تمثل المنصور ببيت معقر بن أوس بن حمار البارقي : فألقت عصاها واستقر ( 2 ) بها النوى * كما قر عينا بالإياب المسافر وقيل إن المنصور لما رأى الرأس بكى حتى جعلت دموعه تسقط على الرأس وقال : والله لقد كنت لهذا كارها ، ولكنك ابتليت بي وابتليت بك . ثم أمر بالرأس فنصب بالسوق . وأقطع نيبخت المنجم الكذاب ألفي جريب . فهذا المنجم إن كان قد أصاب في قضية واحدة فقد أخطأ في أشياء كثيرة ، فهم كذبة كفرة وقد كان المنصور في ضلال مع منجمه هذا ، وقد ورث الملوك اعتقاد أقوال المنجمين وذلك ضلال لا يجوز . وذكر صالح مولى المنصور قال : لما جئ برأس إبراهيم جلس المنصور مجلسا عاما وجعل الناس
--> ( 1 ) في الطبري 9 / 259 : واستقرت .