ابن كثير
98
البداية والنهاية
فئام من الناس ، وتفاقم الخطب به ، وبلغ خبره إلى المنصور فأزداد غما إلى غمه بأخيه محمد ، وذلك لأنه ظهر قبل مقتل أخيه وإنما كان سبب تعجيله الظهور كتاب أخيه إليه فامتثل أمره ودعا إلى نفسه ، فانتظم أمره بالبصرة ، وكان نائبها من جهة المنصور سفيان بن معاوية وكان ممالئا لإبراهيم هذا في الباطن ، ويبلغه أخباره فلا يكترث بها ، ويكذب من أخبره ويود أن يتضح أمر إبراهيم ، وقد أمده المنصور بأميرين من أهل خراسان معهما ألفا فارس ، وراجل ، فأنزلهما عنده ليتقوى بهما على محاربة إبراهيم ، وتحول المنصور من بغداد - وكان قد شرع في عمارتها - إلى الكوفة ، وجعل كلما اتهم رجلا من أهل الكوفة في أمر إبراهيم بعث إليه من يقتله في الليل في منزله ، وكان الفرافصة العجلي قد هم بالوثوب بالكوفة فلم يمكنه ذلك لمكان المنصور بها ، وجعل الناس يقصدون البصرة من كل فج لمبايعة إبراهيم ، ويفدون إليها جماعات وفرادى ، وجعل المنصور يرصد لهم المسالح فيقتلونهم في الطريق ويأتونه برؤوسهم فيصلبها بالكوفة ليتعظ بها الناس . وأرسل المنصور إلى حرب الراوندي - وكان مرابطا بالجزيرة في ألفي فارس لقتال الخوارج - يستدعيه إليه إلى الكوفة ، فأقبل بمن معه فاجتاز ببلدة بها أنصار لإبراهيم فقالوا له : لا ندعك تجتاز ، لان المنصور إنما دعاك لقتال إبراهيم . فقال : ويحكم ! دعوني ، فأبوا فقاتلهم فقتل منهم خمسمائة وأرسل برؤوسهم إلى المنصور . فقال : هذا أول الفتح . ولما كانت ليلة الاثنين مستهل رمضان من هذه السنة ، خرج إبراهيم في الليل إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر فارسا ، وقدم في هذه الليلة أبو حماد الأبرص في ألفي فارس مددا لسفيان بن معاوية ، فأنزلهم الأمير في القصر ، ومال إبراهيم وأصحابه على دواب أولئك الجيش وأسلحتهم فأخذوها جميعا ، فتقووا بها ، فكان هذا أول ما أصاب . وما أصبح الصباح إلا وقد استظهر جدا ، فصلى بالناس صلاة الصبح في المسجد الجامع ، والتف الخلائق عليه ما بين ناظر وناصر ، وتحصن سفيان بن معاوية نائب الخليفة بقصر الامارة وحبس عنده الجنود فحاصرهم إبراهيم ، فطلب سفيان بن معاوية من إبراهيم الأمان فأعطاه الأمان ، ودخل إبراهيم قصر الامارة فبسطت له حصير ليجلس عليها في مقدم إيوان القصر ، فهبت الريح فقلبت الحصير ظهرا لبطن ، فتطير الناس بذلك ، فقال إبراهيم : إنا لا نتطير . وجلس على ظهر الحصير ، وأمر بحبس سفيان بن معاوية مقيدا وأراد بذلك براءة ساحته عند المنصور ، واستحوذ على ما كان في بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف ، وقيل ألفا ألف . فقوي بذلك جدا . وكان في البصرة جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي ، وهما ابنا عم الخليفة المنصور ، فركبا في ستمائة فارس إليه فهزمهما ، وأركب إبراهيم المضاء بن القاسم في ثمانية عشر فارسا وثلاثين راجلا فهزم ستمائة فارس كانت لهما . وآمن من بقي منهم ، وبعث إبراهيم إلى أهل الأهواز فبايعوه وأطاعوه ، وأرسل إلى نائبها مائتي فارس عليهم المغيرة فخرج إليه محمد بن الحصين نائب البلاد في أربعة آلاف فارس فهزمه المغيرة واستحوذ على البلاد ، وبعث إبراهيم إلى بلاد فارس فأخذها ، وكذلك واسط والمدائن والسواد ، واستفحل أمره جدا ، ولكن لما جاءه نعي أخيه محمد انكسر جدا ، وصلى بالناس يوم العيد وهو مكسور . قال بعضهم : والله لقد رأيت الموت في وجهه وهو يخطب الناس فنعى إلى