ابن كثير

74

البداية والنهاية

تضرب فيه الأمثال على غير أشكالها ، وكتبت إلي فيه آيات منزلة من الله للكافرين ، وما يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، وإنني والله ما انسلخت من آيات الله ، ولكنني يا عبد الله بن محمد كنت رجلا متأولا فيكم من القرآن آيات أوجبت لكم بها الولاية والطاعة ، فأتممت بأخوين من قبلك ثم بك من بعدهما ، فكنت لهما شيعة متدينا أحسبني هاديا مهتديا ، وأخطأت في التأويل وقدما أخطأ المتأولون ، وقد قال تعالى : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ) [ الانعام : 54 ] وإن أخاك السفاح ظهر في صورة مهدي وكان ضالا فأمرني أن أجد السيف وأقتل بالظنة وأقدم بالشبهة وأرفع الرحمة ولا أقيل العثرة ، فوترت أهل الدنيا في طاعتكم ، وتوطئة سلطانكم ، حتى عرفكم الله من كان جهلكم . ثم إن الله سبحانه تداركني منه بالندم واستنقذني بالتوبة ، فإن يعف عني ويصفح فإنه كان للأوابين غفورا ، وإن يعاقبني فبذنوبي وما ربك بظلام للعبيد . فكتب إليه المنصور : أما بعد أيها المجرم العاصي ، فإن أخي كان إمام هدى يدعو إلى الله على بينة من ربه ( 1 ) ، فأوضح لك السبيل ، وحملك على المنهج السديد ، فلو بأخي اقتديت لما كنت عن الحق حائدا ، وعن الشيطان وأوامره صادرا ، ولكنه لم يسنح لك أمران إلا كنت لأرشدهما تاركا ، ولأغواهما راكبا ، تقتل قتل الفراعنة ، وتبطش بطش الجبابرة ، وتحكم بالجور حكم المفسدين ، وتبذر المال وتضعه في غير مواضعه فعل المسرفين ، ثم من خبري أيها الفاسق أني قد وليت موسى بن كعب خراسان ، وأمرته أن يقيم بنيسابور ، فإن أردت خراسان لقيك بمن معه من قوادي وشيعتي ، وأنا موجه للقائك أقرانك ، فاجمع كيدك وأمرك غير مسدد ولا موفق ، وحسب أمير المؤمنين ومن اتبعه الله ونعم الوكيل ( 2 ) . ولم يزل المنصور يراسله تارة بالرغبة وتارة بالرهبة ، ويستخف أحلام من حوله من الأمراء والرسل الذين يبعثهم أبو مسلم إلى المنصور ويعدهم ، حتى حسنوا لأبي مسلم في رأيه القدوم عليه سوى أمير معه يقال له نيزك ، فإنه لم يوافق على ذلك ، فلما رأى أبا مسلم وقد انطاع لهم أنشد عند ذلك البيت المتقدم ، وهو : ما للرجال مع القضاء محالة * ذهب القضاء بحيلة الأقوام وأشار عليه بأن يقتل المنصور ويستخلف بدله فلم يمكنه ذلك ، فإنه لما قدم المدائن تلقاه الأمراء عن أمر الخليفة ، فما وصل إلا آخر النهار ، وقد أشار أبو أيوب كاتب الرسائل أن لا يقتله يومه هذا كما تقدم فلما وقف بين يدي الخليفة أكرمه وعظمه وأظهر احترامه ، وقال : اذهب الليلة فأذهب عنك

--> ( 1 ) في ابن الأعثم 8 / 223 : على بصيرة ويقين من أمره . ( 2 ) راجع حاشية 1 صفحة 70 .