ابن كثير

75

البداية والنهاية

وعثاء السفر ثم ائتني من الغد . فلما كان الغد أرصد له من الأمراء من يقتله ، منهم عثمان بن نهيك ، وشبيب بن واج ، فقتلوه كما تقدم . ويقال بل أقام أياما يظهر له المنصور الاكرام والاحترام ، ثم نشق منه الوحشة فخاف أبو مسلم واستشفع بعيسى بن موسى واستجار به ، وقال : إني أخافه على نفسي . فقال : لا بأس عليك فانطلق فإني آت وراءك ، أنت في ذمتي حتى آتيك ، - ولم يكن مع عيسى خبر بما يريد به الخليفة - فجاء أبو مسلم يستأذن على المنصور فقالوا له : اجلس ههنا فإن أمير المؤمنين يتوضأ ، فجلس وهو يود أن يطول مجلسه ليجئ عيسى بن موسى فأبطأ ، وأذن له الخليفة فدخل عليه فجعل يعاتبه في أشياء صدرت منه فيعتذر عنها جيدا ، حتى قال له : فلم قتلت سليمان بن كثير ، وإبراهيم بن ميمون ، وفلانا وفلانا ؟ قال : لأنهم عصوني وخالفوا أمري . فغضب عند ذلك المنصور وقال : ويحك ! أنت تقتل إذا عصيت ، وأنا لا أقتلك وقد عصيتني ؟ وصفق بيديه وكانت الإشارة بينه وبين المرصدين لقتله - ، فتبادروا إليه ليقتلوه فضربه أحدهم فقطع حمائل سيفه ، فقال : يا أمير المؤمنين استبقني لأعدائك ، فقال : وأي عدو لي أعدى منك . ثم زجرهم المنصور فقطعوه قطعا ولفوه في عباءة ، ودخل عيسى بن موسى على إثر ذلك فقال : ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : هذا أبو مسلم ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال له المنصور : احمد الله الذي هجمت علي نعمة ، ولم تهجم علي نقمة ، ففي ذلك يقول أبو دلامة : أبا مسلم ( 1 ) ما غير الله نعمة * على عبده حتى يغيرها العبد أبا مسلم خوفتني القتل فانتحى * عليك بما خوفتني الأسد الورد وذكر ابن جرير : أن المنصور تقدم إلى عثمان بن نهيك وشبيب بن واج وأبي حنيفة حرب بن قيس وآخر من الحرس أن يكونوا قريبا منه ، فإذا دخل عليه أبو مسلم وخاطبه وضرب بإحدى يديه على الأخرى فليقتلوه . فلما دخل عليه أبو مسلم قال له المنصور : ما فعل السيفان ( 2 ) اللذان أصبتهما من عبد الله بن علي ؟ فقال : هذا أحدهما . فقال : أرنيه ، فناوله السيف فوضعه تحت ركبته ثم قال له : ما حملك على أن تكتب لأبي عبد الله السفاح تنهاه عن الموات ، أردت أن تعلمنا الدين ؟ قال : إنني ظننت أن أخذه لا يحل ، فلما جاءني كتاب أمير المؤمنين علمت أنه وأهل بيته معدن العلم . قال : فلم تقدمت علي في طريق الحج ؟ قال : كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس ، فتقدمت التماس الرفق . قال : فلم لا رجعت إلي حين أتاك خبر موت أبي العباس ؟ قال : كرهت التضييق على الناس في طريق الحج ، وعرفت أنا سنجتمع بالكوفة ، وليس عليك مني خلاف . قال : فجارية عبد الله بن علي أردت أن تتخذها لنفسك ؟ قال : لا ! ولكن خفت أن تضيع فحملتها في قبة ووكلت بها من يحفظها . ثم قال

--> ( 1 ) في وفيات الأعيان 3 / 155 أبا مجرم . في الموضعين . ( 2 ) في الطبري 9 / 166 : نصلين ( وانظر ابن الأثير 5 / 475 ) .