ابن كثير

73

البداية والنهاية

إسماعيل الطائي ، أحد دعاتهم ، لما بعثه إلى خراسان ، وأصدقها عنه أربعمائة درهم فولد لأبي مسلم بنتان إحداهما أسماء أعقبت ، وفاطمة لم تعقب . وقد تقدم ذكر كيفية استقلال أبي مسلم بأمور خراسان في سنة تسع وعشرين ومائة ، وكيف نشر دعوة بني العباس ، وقد كان ذا هيبة وصرامة وإقدام وتسرع في الأمور . وقد روى ابن عساكر بإسناده : أن رجلا قام إلى أبي مسلم وهو يخطب فقال : ما هذا السواد الذي أرى عليك ؟ فقال : حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء " . وهذه ثياب الهيئة وثياب الدولة . يا غلام اضرب عنقه . وروى من حديث عبد الله بن منيب عنه عن محمد بن علي ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عباس . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أراد هوان قريش أهانه الله " . وقد كان إبراهيم بن ميمون الصائغ من أصحابه وجلسائه في زمن الدعوة ، وكان يعده إذا ظهر أن يقيم الحدود ، فلما تمكن أبو مسلم ألح عليه إبراهيم بن ميمون في القيام بما وعده به حتى أحرجه ، فأمر بضرب عنقه ، وقال له : لم لا كنت تنكر على نصر بن سيار وهو يعمل أواني الخمر من الذهب فيبعثها إلى بني أمية ؟ فقال له : إن أولئك لم يقربوني من أنفسهم ويعدوني منها ما وعدتني أنت . وقد رأى بعضهم لإبراهيم بن ميمون هذا منازل عالية في الجنة بصبره على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنه كان آمرا ناهيا قائما في ذلك ، فقتله أبو مسلم رحمه الله . وقد ذكرنا طاعة أبي مسلم للسفاح واعتناءه بأمره وامتثال مراسيمه ، فلما صار الامر إلى المنصور استخف به واحتقره ، ومع هذا بعثه المنصور إلى عمه عبد الله إلى الشام فكسره واستنقذ منه الشام وردها إلى حكم المنصور . ثم شمخت نفسه على المنصور وهم بقتله ، ففطن لذلك المنصور مع ما كان مبطنا له من البغضة ، وقد سأل أخاه السفاح غير مرة أن يقتله كما تقدم ذلك فأبي عليه ، فلما تولى المنصور ما زال يماكره ويخادعه حتى قدم عليه فقتله . قال بعضهم : كتب المنصور إلى أبي مسلم : أما بعد فإنه يرين على القلوب ويطبع عليها المعاصي ، فع أيها الطائش ، وأفق أيها الكسران ، وانتبه أيها النائم ، فإنك مغرور بأضغاث أحلام كاذبة ، في برزخ دنيا قد غرت من كان قبلك وسم بها سوالف القرون ( هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ) [ مريم : 98 ] وإن الله لا يعجزه من هرب ، ولا يفوته من طلب ، فلا تغتر بمن معك من شيعتي وأهل دعوتي ، فكأنهم قد صالوا عليك بعد أن صالوا معك ، إن أنت خلعت الطاعة وفارقت الجماعة وبدا لك من الله ما لم تكن تحتسب ، مهلا مهلا ، احذر البغي أبا مسلم فإنه من بغى واعتدى تخلى الله عنه ، ونصر عليه من يصرعه لليدين والفم ، واحذر أن تكون سنة في الذين قد خلوا من قبلك ، ومثلة لمن يأتي بعدك ، فقد قامت الحجة وأعذرت إليك وإلى أهل طاعتي فيك . قال تعالى : ( وأتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ) [ الأعراف : 174 ] . فأجابه أبو مسلم : أما بعد فقد قرأت كتابك فرأيتك فيه للصواب مجانبا ، وعن الحق حائدا إذ