ابن كثير

70

البداية والنهاية

وبعث المنصور إليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي ( 1 ) - وقد كان أوحد أهل زمانه - في جماعة من الأمراء ، وأمره أن يكلم أبا مسلم باللين كلاما يقدر عليه ، وأن يكون في جملة ما يكلمه به أنه يريد رفع قدرك وعلو منزلتك والاطلاقات لك ، فإن جاء بهذا فذاك ، وإن أبي فقل هو برئ من العباس إن شققت العصا وذهبت على وجهك ليدركنك بنفسه وليقاتلنك دون غيره ، ولو خضت البحر الخضم لخاضه خلفك حتى يدركك فيقتلك أو يموت قبل ذلك . ولا تقل له هذا حتى تيأس من رجوعه بالتي هي أحسن . فلما قدم عليه أمراء المنصور بحلوان دخلوا عليه ولاموه فيما هم به من منابذة أمير المؤمنين ، وما هو فيه من مخالفته ، ورغبوه في الرجوع إلى الطاعة ، فشاور ذوي الرأي من أمرائه فكلهم نهاه عن الرجوع إليه ، وأشاروا بأن يقيم في الري فتكون خراسان تحت حكمه ، وجنوده طوعا له ، فإن استقام له الخليفة وإلا كان في عز ومنعة من الجند . فعند ذلك أرسل أبو مسلم إلى أمراء المنصور فقال لهم : ارجعوا إلى صاحبكم فلست ألقاه . فلما استيأسوا منه قالوا له ذلك الكلام الذي كان المنصور أمرهم به . فلما سمع ذلك كسره جدا وقال قوموا عني الساعة . وكان أبو مسلم قد استخلف على خراسان أبا داود إبراهيم بن خالد ، فكتب إليه المنصور في غيبة أبي مسلم حين اتهم : إن ولاية خراسان لك ما بقيت ، فقد وليتكها وعزلت عنها أبا مسلم . فعند ذلك كتب أبو داود إلى أبي مسلم حين بلغه ما عليه من منابذة الخليفة : إنه ليس يليق بنا منابذة خلفاء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فارجع إلى إمامك سامعا مطيعا والسلام . فزاده ذلك كسرا أيضا فبعث إليهم أبو مسلم : إني سأبعث إليه أبا إسحاق وهو ممن أثق به . فبعث أبا إسحاق إلى المنصور فأكرمه ووعده بنيابة العراق إن هو رده . فلما رجع إليه أبو إسحاق قال له : ما وراءك ؟ قال : رأيتهم معظمين لك يعرفون قدرك . فغره ذلك وعزم على الذهاب إلى الخليفة ، فاستشار أميرا يقال له نيزك ، فنهاه ، فصمم على الذهاب ، فلما رآه نيزك عازما على الذهاب تمثل بقول الشاعر : ما للرجال مع القضاء محالة * ذهب القضاء بحيلة الأقوام ثم قال له : احفظ عني واحدة . قال : وما هي ؟ قال : إذا دخلت عليه فاقتله ثم بايع من شئت بالخلافة فإن الناس لا يخالفونك . وكتب أبو مسلم إلى المنصور يعلمه بقدومه عليه . قال أبو أيوب كاتب الرسائل : فدخلت على المنصور وهو جالس في خباء شعر جالس في مصلاه بعد العصر ، وبين يديه كتاب فألقاه إلى فإذا هو كتاب أبي مسلم يعلمه بالقدوم عليه ، ثم قال الخليفة : والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه . قال أبو أيوب : فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون . وبت تلك الليلة لا يأتيني نوم ، أفكر في هذه الواقعة ، وقلت : إن دخل أبو مسلم خائفا ربما يبدو منه شر إلى الخليفة ، والمصلحة تقتضي أن

--> ( 1 ) في ابن الأثير 5 / 471 : كتب المنصور كتابا وبعثه مع أبي حميد المرورذي . وفي ابن الأعثم نسخة كتاب جواب أبي جعفر على كتاب أبي مسلم 8 / 223 . وفي الفخري ص 169 : وأرسل المنصور الكتب على يد رجل عاقل من أصحابه .