ابن كثير

71

البداية والنهاية

يدخل آمنا ليتمكن منه الخليفة . فلما أصبحت طلبت رجلا من الأمراء ( 1 ) وقلت له : هل لك أن تتولى مدينة كسكر فإنها مغلة في هذه السنة ؟ فقال : ومن لي بذلك ؟ فقلت له : فاذهب إلى أبي مسلم فتلقاه في الطريق فاطلب منه أن يوليك تلك البلد ، فإن أمير المؤمنين يريد أن يوليه ما وراء بابه ويستريح لنفسه . واستأذنت المنصور له أن يذهب إلى أبي مسلم فأذن له ، وقال له : سلم عليه وقل له : إنا بالأشواق إليه . فسار ذلك الرجل - وهو سلمة بن فلان - ( 2 ) إلى أبي مسلم فأخبره باشتياق الخليفة إليه ، فسره ذلك وانشرح ، وإنما هو غرور ومكر به ، فلما سمع أبو مسلم بذلك عجل السير إلى منيته ، فلما قرب من المدائن أمر الخليفة القواد والامراء أن يتلقوه ، وكان دخوله على المنصور من آخر ذلك اليوم ، وقد أشار أبو أيوب على المنصور أن يؤخر قتله في ساعته هذه إلى الغد ، فقبل ذلك منه . فلما دخل أبو مسلم على المنصور من العشي أظهر له الكرامة والتعظيم ، ثم قال : اذهب فأرح نفسك وادخل الحمام ، فإذا كان الغد فأتني . فخرج من عنده وجاءه الناس يسلمون عليه ، فلما كان الغد طلب الخليفة بعض الأمراء فقال له : كيف بلائي عندك ؟ فقال : والله يا أمير المؤمنين لو أمرتني أن أقتل نفسي لقتلتها . قال : فكيف بك لو أمرتك بقتل أبي مسلم ؟ قال : فوجم ساعة ثم قال له أبو أيوب : ما لك لا تتكلم ؟ فقال قولة ضعيفة : أقتله . ثم اختار له من عيون الحرس أربعة فحرضهم على قتله ، وقال لهم : كونوا من وراء الرواق فإذا صفقت بيدي فأخرجوا عليه فاقتلوه . ثم أرسل المنصور إلى أبي مسلم رسلا تترى يتبع بعضها بعضا ، فأقبل ( 3 ) أبو مسلم فدخل دار الخلافة ثم دخل على الخليفة وهو يبتسم ، فلما وقف بين يديه جعل المنصور يعاتبه في الذي صنع واحدة واحدة ، فيعتذر عن ذلك كله . ثم قال : يا أمير المؤمنين أرجو أن تكون نفسك قد طابت علي . فقال المنصور : أما والله ما زادني هذا إلا غيظا عليك . ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى فخرج عثمان وأصحابه فضربوه بالسيوف حتى قتلوه ولفوه في عباءة ثم أمر بإلقائه في دجلة ، وكان آخر العهد به ، وكان مقتله في يوم الأربعاء لأربع بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة . وكان من جملة ما عاتبه به المنصور أن قال : كتبت إلي مرات تبدأ بنفسك ، وأرسلت تخطب عمتي أمينة ( 4 ) ، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس إلى غير ذلك . فقال أبو مسلم : يا أمير المؤمنين لا يقال لي هذا وقد سعيت في أمركم بما علمه كل أحد . فقال : ويلك ! لو قامت في ذلك أمة

--> ( 1 ) هو سلمة بن سعيد بن جابر ( انظر الطبري وابن الأثير ) . ( 2 ) كذا بالأصول ، انظر الحاشية السابقة . ( 3 ) في الاخبار الطوال ص 380 : فلما كان في اليوم الرابع . . . وفي مروج الذهب 3 / 356 : ركب أبو مسلم مرارا إلى المنصور وهو لا يظهر له شيئا . وفي الإمامة والسياسة 2 / 161 : فأقام أياما يأتي أبا جعفر كل يوم . . . وفي ابن الأعثم 8 / 225 : فأقام كذلك ثلاثة أيام فلما كان في اليوم الرابع . . . ( 4 ) كذا في الأصول والطبري ، وفي ابن الأثير 5 / 475 والاخبار الطوال ص 381 : آمنة . وفي ابن خلكان 3 / 154 : آسية .