ابن كثير
69
البداية والنهاية
الخصيب ، حتى قيل له : إنه رسول فتركه ورجع . فلما قدم أخبر المنصور بما كان وبما هم به أبو مسلم من قتله ، فغضب المنصور وخشي أن يذهب أبو مسلم إلى خراسان فيشق عليه تحصيله بعد ذلك ، وأن تحدث حوادث ، فكتب إليه مع يقطين إني قد وليتك الشام ومصر وهما خير من خراسان . فابعث إلى مصر من شئت وأقم أنت بالشام ، لتكون أقرب إلى أمير المؤمنين ، إذا أراد لقاءك كنت منه قريبا . فغضب أبو مسلم وقال : قد ولاني الشام ومصر ، ولي ولاية خراسان ، فإذا أذهب إليها وأستخلف على الشام ومصر ( 1 ) . فكتب إلى المنصور بذلك فقلق المنصور من ذلك كثيرا . ورجع أبو مسلم من الشام قاصدا خراسان وهو عازم على مخالفة المنصور . فخرج المنصور من الأنبار إلى المدائن وكتب إلى أبي مسلم بالمسير إليه ، فكتب إليه أبو مسلم وهو على الزاب عازم على الدخول إلى خراسان : إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو إلا أمكنه الله منه ، وقد كان نروي عن ملوك آل ساسان أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء . فنحن نافرون من قربك ، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت ، حريون بالسمع والطاعة غير أنها من بعيد حيث يقارنها السلامة . فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبيدك ، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إراداتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضنا بنفسي عن مقامات الذل والإهانة . فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم : قد فهمت كتابك وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة إلى ملوكهم الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم ، وإنما راحتهم في تبدد نظام الجماعة ، فلم سويت نفسك بهم وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الامر على ما أنت به ، وليس مع الشريطة التي أوجبت منك سمع ولا طاعة ، وقد حمل أمير المؤمنين عيسى بن موسى إليك رسالة ليسكن إليها قلبك إن أصغيت إليها ، وأسأله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك ، فإنه لم يجد بابا يفسد به نيتك أوكد عنده من هذا ولا أقرب من طبه من الباب الذي فتحه عليك . ويقال إن أبا مسلم كتب إلى المنصور : أما بعد فإني اتخذت رجلا إماما ودليلا على ما افترض الله على خلقه ، وكان في محلة العلم نازلا وفي قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا ، فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعا في قليل قد تعافاه ( 2 ) الله إلى خلقه ، وكان كالذي دلى بغرور ، وأمرني أن أجرد السيف وأرفع المرحمة ولا أقبل المعذرة ولا أقيل العثرة ، ففعلت توطيدا لسلطانكم حتى عرفكم الله من كان يجهلكم ، وأطاعكم من كان عدوكم ، وأظهركم الله بي بعد الاخفاء والحقارة والذل ، ثم استنقذني الله بالتوبة . فإن يعف عني فقديما عرف به ونسب إليه ، وإن يعاقبني فبما قدمت يداي ، وما الله بظلام للعبيد . ذكره المدائني عن شيوخه .
--> ( 1 ) في ابن الأعثم 8 / 220 : رمى بكتاب المنصور من يده وتمثل : الق الصحيفة لا تبال وإن يكن * مكرا كمثل صحيفة المتلمس ( 2 ) في ابن الأثير : نعاه .