ابن كثير
47
البداية والنهاية
جنوده وتصاف الفريقان في أول النهار ، ويقال إنه كان مع مروان يومئذ مائة ألف وخمسون ألفا ، ويقال مائة وعشرون ألفا ، وكان عبد الله بن علي في عشرين ألفا . فقال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز : إن زالت الشمس يومئذ ولم يقاتلونا كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم ، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون . ثم أرسل مروان إلى عبد الله بن علي يسأله الموادعة ، فقال عبد الله : كذب ابن زريق ، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله ، وكان ذلك يوم السبت لإحدى عشر ليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة ، فقال مروان : قفوا لا تبتدئون بقتال ، وجعل ينظر إلى الشمس فخالفه الوليد بن معاوية بن مروان - وهو ختن مروان على ابنته - فحمل ، فغضب مروان فشتمه فقاتل أهل الميمنة فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن علي ، فقاتل موسى بن كعب لعبد الله بن علي ، فأمر الناس فنزلوا ونودي الأرض الأرض ، فنزلوا وأشرعوا الرماح وجثوا على الركب وقاتلوهم ، وجعل أهل الشام يتأخرون كأنما يدفعون ، وجعل عبد الله يمشي قدما ، وجعل يقول : يا رب حتى متى نقتل فيك ، ونادى : يا أهل خراسان ، يا شارات إبراهيم الامام ، يا محمد يا منصور ، واشتد القتال جدا بين الناس ، فلا تسمع إلا وقعا كالمرازب على النحاس ، فأرسل مروان إلى قضاعة يأمرهم بالنزول فقالوا : قل لبني سليم فلينزلوا ، وأرسل إلى السكاسك أن احملوا فقالوا : قل لبني عامر أن يحملوا ، فأرسل إلى السكون أن احملوا فقالوا : قل إلى غطفان فليحملوا . فقال لصاحب شرطته : انزل فقال لا والله لا أجعل نفسي غرضا . قال : أما والله لأسوءنك . قال : وددت والله لو قدرت على ذلك . ويقال : إنه قال ذلك لابن هبيرة . قالوا : ثم انهزم أهل الشام واتبعتهم أهل خراسان في أدبارهم يقتلون ويأسرون ، وكان من غرق من أهل الشام أكثر ممن قتل وكان في جملة من غرق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع ( 1 ) ، وقد أمر عبد الله بن علي بعقد الجسر ، واستخراج من غرق في الماء ، وجعل يتلو قوله تعالى : ( وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ) [ البقرة : 50 ] وأقام عبد الله بن علي في موضع المعركة سبعة أيام ، وقد قال رجل من ولد سعيد بن العاص في مروان وفراره يومئذ : لج الفرار بمروان فقلت له * عاد الظلوم ظليما همه الهرب أين الفرار وترك الملك إذ ( 2 ) ذهبت * عنك الهوينا فلا دين ولا حسب فراشه الحلم فرعون العقاب وإن * تطلب نداه فكلب دونه كلب واحتاز عبد الله ما في معسكر مروان من الأموال والأمتعة والحواصل ، ولم يجد فيه امرأة سوى
--> ( 1 ) 1 ) في مروج الذهب 3 / 297 : غرق من بني أمية ثلاثمائة رجل . ( 1 ) في ابن الأعثم 8 / 184 : إن . ( 2 )