ابن كثير

48

البداية والنهاية

جارية كانت لعبد الله بن مروان ، وكتب إلى أبي العباس السفاح بما فتح الله عليه من النصر ، وما حصل لهم من الأموال . فصلى السفاح ركعتين شكرا لله عز وجل ، وأطلق لكل من حضر الوقعة خمسمائة خمسمائة ، ورفع في أرزاقهم إلى ثمانين ، وجعل يتلو قوله ( فلما فصل طالوت بالجنود ) الآية [ البقرة : 249 ] . صفة مقتل مروان لما انهزم مروان سار لا يلوي على أحد ، فأقام عبد الله بن علي في مقام المعركة سبعة أيام ، ثم سار خلفه بمن معه من الجنود ، وذلك عن أمر السفاح له بذلك ، فلما مر مروان بحران اجتازها وأخرج أبا محمد السفياني من سجنه ، واستخلف عليها أبان بن يزيد - وهو ابن أخته ( 1 ) ، وزوج ابنته أم عثمان - فلما قدم عبد الله على حران خرج إليه أبان بن يزيد مسودا فأمنه عبد الله بن علي وأقره على عمله ، وهدم الدار التي سجن فيها إبراهيم الامام ، واجتاز مروان قنسرين قاصدا حمص ، فلما جاءها خرج إليه أهلها بالأسواق والمعايش ، فأقام بها يومين أو ثلاثة ثم شخص منها ، فلما رأى أهل حمص قلة من معه اتبعوه ليقتلوه ونهبوا ما معه ، وقالوا : مرعوب مهزوم ، فأدركوه بواد عند حمص فأكمن لهم أميرين ، فلما تلاحقوا بمروان عطف عليهم فناشدهم أن يرجعوا فأبوا إلا مقاتلته ، فثار القتال بينهم وثار الكمينان من ورائهم ، فانهزم الحمصيون ، وجاء مروان إلى دمشق وعلى نيابتها من جهته زوج ابنته الوليد بن معاوية بن مروان ، فتركه بها واجتاز عنها قاصدا إلى الديار المصرية ، وجعل عبد الله بن علي لا يمر ببلد وقد سودوا فيبايعونه ويعطيهم الأمان ، ولما وصل إلى قنسرين وصل إليه أخوه عبد الصمد بن علي في أربعة آلف ، قد بعثهم السفاح مددا له ، ثم سار عبد الله حتى أتى حمص ، ثم سار منها إلى بعلبك ، ثم منها حتى أتى دمشق من ناحية المزة فنزل بها يومين أو ثلاثة ، ثم وصل إليه أخوه صالح بن علي في ثمانية آلاف مددا من السفاح ، فنزل صالح بمرج عذراء ، ولما جاء عبد الله بن علي دمشق نزل على الباب الشرقي ، ونزل صالح أخوه على باب الجابية ، ونزل أبو عون على باب كيسان ، ونزل بسام على الباب الصغير ، وحميد بن قحطبة على باب توما ، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس ، فحاصرها أياما ثم افتتحها يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان هذه السنة ، فقتل من أهلها خلقا كثيرا وأباحها ثلاث ساعات ، وهدم سورها ، ويقال إن أهل دمشق لما حاصرهم عبد الله اختلفوا فيما بينهم ، ما بين عباسي وأموي ، فاقتتلوا فقتل بعضهم بعضا ، وقتلوا نائبهم ثم سلموا البلد وكان أول من صعد السور من ناحية الباب الشرقي رجل يقال له عبد الله الطائي ، ومن ناحية الباب الصغير بسام بن إبراهيم ، ثم أبيحت دمشق ثلاث ساعات حتى قيل إنه قتل بها في هذه المدة نحوا من خمسين ألفا .

--> ( 1 ) هو إبان بن يزيد بن محمد بن مروان ابن أخ مروان ( انظر الطبري - ابن الأثير ) .