ابن كثير
386
البداية والنهاية
ترجمة المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور العباسي ، وأم المتوكل أم ولد يقال لها شجاع ، وكانت من سروات النساء سنحا وحزما . كان مولده بفم الصلح سنة سبع ومائتين ، وبويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة لسنة ثنتين وثلاثين ومائتين . وقد روى الخطيب من طريقه عن يحيى بن أكثم ، عن محمد بن عبد الوهاب ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن موسى بن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الرحمن بن هلال ، عن جرير بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من حرم الرفق حرم الخير " ( 1 ) . ثم أنشأ المتوكل يقول : الرفق يمن والأناة سعادة * فاستأن في رفق تلاق نجاحا لا خير في حزم بغير روية * والشك وهن إن أردت سراحا وقال ابن عساكر في تاريخه : وحدث عن أبيه المعتصم ويحيى بن أكثم القاضي . وروى عنه علي بن الجهم الشاعر ، وهشام بن عمار الدمشقي ، وقدم المتوكل دمشق في خلافته وبنى بها قصرا بأرض داريا . وقال يوما لبعضهم : إن الخلفاء تتغضب على الرعية لتطيعها ، وإني ألين لهم ليحبوني ويطيعوني . وقال أحمد بن مروان المالكي : ثنا أحمد بن علي البصري قال : وجه المتوكل إلى أحمد بن المعذل وغيره من العلماء فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم إليه إلا أحمد بن المعذل . فقال المتوكل لعبيد الله : إن هذا لا يرى بيعتنا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين بلى ! ولكن في بصره سوء . فقال أحمد بن المعذل : يا أمير المؤمنين ما في بصري سوء ، ولكن نزهتك من عذاب الله . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار " ( 2 ) . فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه . وروى الخطيب أن علي بن الجهم دخل على المتوكل وفي يده درتان يقلبهما فأنشده قصيدته التي يقول فيها : وإذا مررت ببئر عروة فاستقي من مائها فأعطاه التي في يمينه وكانت تساوي مائة ألف . ثم أنشده : بسر من رأى أمير * تغرف من بحره البحار يرجى ويخشى لكل خطب * كأنه جنة ونار الملك فيه وفي بنيه * ما اختلف الليل والنهار
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في البر والصلة ح ( 74 - 76 ) وابن ماجة في الأدب . باب ( 9 ) والإمام أحمد في المسند 4 / 362 ، 366 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في كتاب الأدب . باب ( 13 ) .