ابن كثير
387
البداية والنهاية
يداه في الجود ضرتان * عليه كلتاهما تغار لم تأت منه اليمين شيئا * إلا أتت مثله اليسار قال : فأعطاه التي في يساره أيضا . قال الخطيب : وقد رويت هذه الأبيات لعلي بن هارون البحتري في المتوكل . وروى ابن عساكر عن علي بن الجهم قال : وقفت فتحية حظية المتوكل بين يديه وقد كتبت على خدها بالغالية جعفر فتأمل ذلك ثم أنشأ يقول : وكاتبة في الخد بالمسك جعفرا * بنفسي تحط المسك من حيث أثرا لئن أودعت سطرا ( 1 ) من المسك خدها * لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا فيا من مناها في السريرة جعفر * سقا الله من سقيا ثناياك جعفرا ( 2 ) ويا من لمملوك بملك يمينه * مطيع له فيما أسر وأظهرا قال ثم أمر المتوكل عربا فغنت به . وقال الفتح بن خاقان : دخلت يوما على المتوكل فإذا هو مطرق مفكر فقلت : يا أمير المؤمنين ما لك مفكر ؟ فوالله ما على الأرض أطيب منك عيشا ، ولا أنعم منك بالا . قال : بلى أطيب مني عيشا له دار واسعة وزوجة صالحة ومعيشة حاضرة ، لا يعرفنا فنؤذيه ، ولا يحتاج إلينا فنزدريه . وكان المتوكل محببا إلى رعيته قائما في نصرة أهل السنة ، وقد شبهه بعضهم بالصديق في قتله أهل الردة ، لأنه نصر الحق ورده عليهم حتى رجعوا إلى الدين . وبعمر بن عبد العزيز حين رد مظالم بني أمية . وقد أظهر السنة بعد البدعة ، وأخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها فرحمه الله . وقد رآه بعضهم في المنام بعد موته وهو جالس في نور قال فقلت : المتوكل ؟ قال : المتوكل . قلت : فما فعل بك ربك ؟ قال : غفر لي . قلت : بماذا ؟ قال : بقليل من السنة أحييتها . وروى الخطيب عن صالح بن أحمد أنه رأى في منامه ليلة مات المتوكل كأن رجلا يصعد به إلى السماء وقائلا يقول : ملك يقاد إلى مليك عادل * متفضل في العفو ليس بحائر وروى عن عمرو بن شيبان الحلبي قال : رأيت ليلة المتوكل قائلا يقول : يا نائم العين في أوطان جثمان * أفض دموعك يا عمرو بن شيبان
--> ( 1 ) في مروج الذهب 4 / 144 : خطا . . . من الوجد أسطرا ( 2 ) البيتان في مروج الذهب : فيا من لمملوك يظل مليكه * مطيعا له فيما أسر وأجهرا ويا من لعيني من رأى مثل جعفر سقى الله صوب المستهلات جعفرا