ابن كثير

385

البداية والنهاية

فما زالت الهدايا تفد إليه من بكرة النهار إلى الزوال ، ثم فرقها كلها إلى وقت الغروب ثم قال لي : كن هكذا لا ترد على الله شيئا ، ولا تدخر عنه شيئا . ولما جاءت المحنة في زمن المأمون إلى دمشق بخلق القرآن عين فيها أحمد بن أبي الحواري وهشام بن عمار ، وسليمان بن عبد الرحمن ، وعبد الله بن ذكوان ، فكلهم أجابوا إلا ابن أبي الحواري فحبس بدار الحجارة ، ثم هدد فأجاب تورية مكرها ، ثم أطلق رحمه الله . وقد قام ليلة بالثغر يكرر هذه الآية ( إياك نعبد وإياك نستعين ) [ الفاتحة : 5 ] حتى أصبح . وقد ألقى كتبه في البحر وقال : نعم الدليل كنت لي على الله وإليه ، ولكن الاشتغال بالدليل بعد معرفة المدلول عليه والوصول إليه محال . ومن كلامه لا دليل على الله سواه ، وإنما يطلب العلم لآداب الخدمة . وقال : من عرف الدنيا زهد فيها ، ومن عرف الآخرة رغب فيها ، ومن عرف الله آثر رضاه . وقال : من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب لها أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه . وقال : قلت لأبي سليمان في ابتداء أمري : أوصني ، فقال : اتستوص أنت ؟ فقلت نعم إن شاء الله تعالى . فقال : خالف نفسك في كل مراداتها فإنها الامارة بالسوء ، وإياك أن تحقر إخوانك المسلمين ، واجعل طاعة الله دثارا ، والخوف منه شعارا ، والاخلاص له زادا ، والصدق حسنة ، واقبل مني هذه الكلمة والواحدة ولا تفارقها ولا تغفل عنها : من استحيى من الله في كل أوقاته وأحواله وأفعاله ، بلغه الله إلى مقام الأولياء من عباده . قال فجعلت هذه الكلمات أمامي في كل وقت أذكرها وأطالب نفسي بها . والصحيح أنه توفي في هذه السنة ، وقيل في سنة ثلاثين ومائتين ، وقيل غير ذلك فالله أعلم . ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين في شوال منها كان مقتل الخليفة المتوكل على الله على يد ولده المنتصر ، وكان سبب ذلك أنه أمر ابنه عبد الله المعتز الذي هو ولي العهد من بعده أن يخطب بالناس في يوم جمعة ، فأداها أداء عظيما بليغا ، فبلغ ذلك من المنتصر كل مبلغ ، وحنق على أبيه وأخيه ، فأحضره أبوه وأهانه وأمر بضربه في رأسه وصفعه ، وصرح بعزله عن ولاية العهد من بعد أخيه ، فاشتد أيضا حنقه أكثر مما كان . فلما كان يوم عيد الفطر خطب المتوكل بالناس وعنده بعض ضعف من علة به ، ثم عدل إلى خيام قد ضربت له أربعة أميال في مثلها ، فنزل هناك ثم استدعى في يوم ثالث شوال بندمائه على عادته في سمره وحضرته وشربه ، ثم تمالا ولده المنتصر وجماعة من الأمراء على الفتك به فدخلوا عليه ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال ، ويقال من شعبان من هذه السنة ، وهو على السماط فابتدروه بالسيوف فقتلوه ثم ولوا بعده ولده المنتصر ( 1 ) .

--> ( 1 ) في رواية للمسعودي في مروج الذهب : أن المتوكل كان قد عزم على تفريق جمع الأتراك ، فعملوا على قتله : شكا يوما حرارة فأراد الحجامة ، فقصده الطيفوري الطبيب بمشراط مسموم . ( 4 / 153 ) .