ابن كثير
369
البداية والنهاية
ليضرب انقطعت تكة سراويله فخشي أن يسقط سراويله فتكشف عورته فحرك شفتيه فدعا لله فعاد سراويله كما كان ، ويروى أنه قال : يا غياث المستغيثين ، يا إله العالمين ، إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة . ولما رجع إلى منزله جاءه الجرايحي فقطع لحما ميتا من جسده وجعل يداويه والنائب في كل وقت يسأل عنه ، وذلك أن المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندما كثيرا ، وجعل يسأل النائب عنه والنائب يستعلم خبره ، فلما عوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك ، ولما شفاه الله بالعافية بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد ، وجعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة ، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى ( وليعفوا وليصفحوا ) الآية [ النور : 22 ] . ويقول : ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك ؟ وقد قال تعالى ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ) [ الشورى : 40 ] وينادي المنادي يوم القيامة : " ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا " وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث أقسم عليهن : ما نقص مال من صدقة ، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ، ومن تواضع لله رفعه الله ) ( 1 ) . وكان الذين ثبتوا على الفتنة فلم يجيبوا بالكلية أربعة ( 2 ) : أحمد بن حنبل وهو رئيسهم ، ومحمد بن نوح بن ميمون الجنديسابوري ، ومات في الطريق . ونعيم بن حماد الخزاعي ، وقد مات في السجن ، وأبو يعقوب البويطي وقد مات في سجن الواثق على القول بخلق القرآن . وكان مثقلا بالحديد . وأحمد بن نصر الخزاعي وقد ذكرنا كيفية مقتله . ثناء الأئمة على الإمام أحمد بن حنبل قال البخاري : لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول : لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة . وقال إسماعيل بن الخليل : لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان نبيا . وقال المزني : أحمد بن حنبل يوم المحنة ، وأبو بكر يوم الردة ، وعمر يوم السقيفة ، وعثمان يوم الدار ، وعلي يوم الجمل وصفين . وقال حرملة : سمعت الشافعي يقول : خرجت من العراق فما تركت رجلا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل . وقال شيخ أحمد يحيى بن سعيد القطان : ما قدم على بغداد أحد أحب إلي من أحمد بن حنبل . وقال قتيبة : مات سفيان الثوري ومات الورع ، ومات الشافعي وماتت السنن ، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع . وقال : إن أحمد بن حنبل قام في
--> ( 1 ) صحيح مسلم - كتاب البر والصلة ( 19 ) باب . ح ( 2588 ) ص 4 / 2001 باختلاف ألفاظه . قال العلماء : في الألفاظ الثلاثة أوجه موجودة في العادة معروفة ، وقد يكون المراد الوجهين معا في جميعها : في الدنيا والآخرة . ( 2 ) كذا بالأصل ، وسيأتي انهم كانوا خمسة .