ابن كثير

370

البداية والنهاية

الأمة مقام النبوة . قال البيهقي - يعني في صبره على ما أصابه من الأذى في ذات الله - وقال أبو عمر بن النحاس - وذكر أحمد يوما - فقال رحمه الله : في الدين ما كان أبصره ، وعن الدنيا ما كان أصبره ، وفي الزهد ما كان أخبره ، وبالصالحين ما كان ألحقه ، وبالماضين ما كان أشبهه ، عرضت عليه الدنيا فأباها ، والبدع فنفاها . وقال بشر الحافي بعد ما ضرب أحمد بن حنبل : أدخل أحمد الكير فخرج ذهبا أحمر . وقال الميموني : قال لي علي بن المديني بعد ما امتحن أحمد وقيل قبل أن يمتحن : يا ميمون ما قام أحد في الاسلام ما قام أحمد بن حنبل . فعجبت من هذا عجبا شديدا وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام فحكيت له مقالة علي بن المديني فقال : صدق ، إن أبا بكر وجد يوم الردة أنصارا وأعوانا ، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان . ثم أخذ أبو عبيد يطري أحمد ويقول : لست أعلم في الاسلام مثله . وقال إسحاق بن راهويه : أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه . وقال علي بن المديني : إذا ابتليت بشئ فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان . وقال أيضا : إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله عز وجل ، ثم قال : ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله ؟ وقال يحيى بن معين : كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط : كان محدثا ، وكان حافظا ، وكان عالما ، وكان ورعا ، وكان زاهدا ، وكان عاقلا . وقال يحيى بن معين أيضا : أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل ، والله ما نقوى أن نكون مثله ولا نطيق سلوك طريقه . وقال الذهلي : اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله . وقال هلال بن العلاء ( 1 ) الرقي : من الله على هذه الأمة بأربعة : بالشافعي فهم الأحاديث وفسرها ، وبين مجملها من مفصلها ، والخاص والعام والناسخ والمنسوخ . وبأبي عبيد بين غريبها . وبيحيى بن معين نفى الكذب عن الأحاديث ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة لولا هؤلاء الأربعة لهلك الناس ، وقال أبو بكر بن أبي داود : أحمد بن حنبل مقدم على كل من يحمل بيده قلما ومحبرة - يعني في عصره - وقال أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء : ما رأيت مثل أحمد بن حنبل ولا رأيت من رأى مثله . وقال أبو زرعة الرازي : ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه . وروى البيهقي عن الحاكم عن يحيى بن محمد العنبري قال : أنشدنا أبو عبد الله البوسندي في أحمد بن حنبل رحمه الله : إن ابن حنبل إن سألت إمامنا * وبه الأئمة في الأنام تمسكوا خلف النبي محمدا بعد الألى * خلفوا الخلائف بعده واستهلكوا حذو الشراك على الشراك وإنما * يحذو المثال مثاله المستمسك وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " ( 2 ) . وروى البيهقي عن أبي سعيد

--> ( 1 ) تقدم ، وفي الأصل المعلى . ( 2 ) أخرجه مسلم عن أبي الربيع وقتيبة عن حماد بن زيد . في الفتن ( 5 ) باب ح‍ ( 19 ) ص 2215 .