ابن كثير

368

البداية والنهاية

المؤمنين هذا كافر ضال مضل . وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد : يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين ، فعند ذلك حمي واشتد غضبه ، وكان ألينهم عريكة ، وهو يظن أنهم على شئ . قال أحمد فعند ذلك قال لي : لعنك الله ، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني ، ثم قال : خذوه واخلعوه واسحبوه . قال أحمد : فأخذت وسحبت وخلعت وجئ بالعاقبين والسياط وأنا أنظر ، وكان معي شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مصرورة في ثوبي ، فجردوني منه وصرت بين العقابين ، فقلت : يا أمير المؤمنين الله الله ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث " ( 1 ) وتلوت الحديث ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم " ( 2 ) : فبم تستحل دمي ولم آت شيئا من هذا ؟ يا أمير المؤمنين أذكر وقوفك بين الله كوقوفي بين يديك ، فكأنه أمسك . ثم لم يزالوا يقولون له : يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل كافر ، فأمر بي فقمت بين العقابين وجئ بكرسي فأقمت عليه وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم ، فتخلعت يداي وجئ بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له - يعني المعتصم - : شد قطع الله يديك ، ويجئ الآخر فيضربني سوطين ثم الآخر كذلك ، فضربوني أسواطا فأغمي علي وذهب عقلي مرارا ، فإذا سكن الضرب يعود علي عقلي ، وقام المعتصم إلي ( 3 ) يدعوني إلى قولهم فلم أجبه ، وجعلوا يقولون : ويحك ! الخليفة على رأسك ، فلم أقبل وأعادوا الضرب ثم عاد إلي فلم أجبه ، فأعادوا الضرب ثم جاء إلي الثالثة ، فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب ، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب وأرعبه ذلك من أمري وأمر بي فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت ، وقد أطلقت الأقياد من رجلي ، وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين ، ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله ، وكان جملة ما ضرب نيفا وثلاثين سوطا ، وقيل ثمانين سوطا ، ولكن كان ضربا مبرحا شديدا جدا ( 4 ) . وقد كان الإمام أحمد رجلا رقيقا أسمر اللون كثير التواضع رحمه الله . ولما حمل من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائم ، أتوه بسويق ليفطر من الضعف فامتنع من ذلك وأتم صومه ، وحين حضرت صلاة الظهر صلى معهم فقال له ابن سماعة القاضي وصليت في دمك ! فقال له أحمد : قد صلى عمر وجرحه يثعب دما ، فسكت . ويروى أنه لما أقيم

--> ( 1 ) مسند الإمام أحمد ج 1 / 61 ، 63 ، 70 ، 382 ، 444 ، 465 ، 6 / 58 ، 214 . ( 2 ) مسند الإمام أحمد 1 / 11 ، 19 ، 35 ، 48 ، 2 / 377 ، 423 ، 475 ، 502 ، 527 ، 528 ، 3 / 300 ، 332 ، 339 ، 4 / 8 . ( 3 ) قام إليه المعتصم بعد ما ضرب تسعة عشر سوطا ( ابن الجوزي المناقب ص 327 ) . ( 4 ) وقد ضربه شاباص الثابت قال : لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطا لو ضربته فيلا لهدته ( ابن الجوزي - المناقب 333 ) .