ابن كثير
355
البداية والنهاية
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ( فإن يكفر بها هؤلاء ) [ الانعام : 89 ] ويشير إلى حلقة ابن أبي دؤاد ( فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) [ الانعام : 89 ] ويشير إلى أحمد بن حنبل وأصحابه . وقال بعضهم : رأيت في المنام كأن قائلا يقول : هلك الليلة أحمد بن أبي دؤاد . فقلت له : وما سبب هلاكه ؟ فقال : إنه أغضب الله عليه فغضب عليه من فوق سبع سماوات . وقال غيره : رأيت ليلة مات ابن أبي دؤاد كأن النار زفرت زفرة عظيمة فخرج منها لهب فقلت : ما هذا ؟ فقيل هذا أنجزت لابن أبي دؤاد . وقد كان هلاكه في يوم السبت لسبع بقين من المحرم من هذه السنة ، وصلى عليه ابنه العباس ودفن في داره ببغداد وعمره يومئذ ثمانون سنة ، وابتلاه الله بالفالج قبل موته بأربع سنين حتى بقي طريحا في فراشه لا يستطيع أن يحرك شيئا من جسده ، وحرم لذة الطعام والشراب والنكاح وغير ذلك . وقد دخل عليه بعضهم فقال : والله ما جئتك عائدا وإنما جئتك لأعزيك في نفسك وأحمد الله الذي سجنك في جسدك الذي هو أشد عليك عقوبة من كل سجن ، ثم خرج عنه داعيا عليه بأن يزيده الله ولا ينقصه مما هو فيه ، فازداد مرضا إلى مرضه . وقد صودر في العام الماضي بأموال جزيلة جدا ، ولو كان يحمل العقوبة لوضعها عليه المتوكل . قال ابن خلكان : كان مولده في سنة ستين ومائة . قلت : فعلى هذا يكون أسن من أحمد بن حنبل ومن يحيى بن أكثم الذي ذكر ابن خلكان أن ابن أكثم كان سبب اتصال ابن أبي دؤاد بالخليفة المأمون ، فحظي عنده بحيث إنه أوصى به إلى أخيه المعتصم ، فولاه المعتصم القضاء والمظالم ، وكان ابن الزيات الوزير يبغضه ، وجرت بينهما منافسات وهجو ، وقد كان لا يقطع أمرا بدونه . وعزل ابن أكثم عن القضاء وولاه مكانه ، وهذه المحنة التي هي أس ما بعدها من المحن ، والفتنة التي فتحت على الناس باب الفتن . ثم ذكر ابن خلكان ما ضرب به الفالج وما صودر به من المال ، وأن ابنه أبا الوليد محمد صودر بألف ألف دينار ومائتي ألف دينار ( 1 ) ، وأنه مات قبل أبيه بشهر . وأما ابن عساكر فإنه بسط القول في ترجمته وشرحها شرحا جيدا . وقد كان الرجل أديبا فصيحا كريما جوادا ممدحا يؤثر العطاء على المنع ، والتفرقة على الجمع وقد روى ابن عساكر بإسناده أنه جلس يوما مع أصحابه ينتظرون خروج الواثق فقال ابن أبي دؤاد إنه ليعجبني هذان البيتان : ولي نظرة لو كان يحبل ناظر * بنظرته أنثى لقد حبلت مني فإن ولدت بين تسعة أشهر * إلى نظر ابنا فإن ابنها مني وممن توفي فيها من الأعيان أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء المشاهير . قال الإمام أحمد : هو عندنا في مسلاخ ( 2 ) الثوري . وخليفة بن خياط أحد أئمة التاريخ وسويد بن سعيد ( 3 )
--> ( 1 ) انظر حاشية 1 صفحة 348 . ( 2 ) كذا بالأصل ، ولعله " في صلاح " وهو أصوب . ( 3 ) أبو محمد ، ويقال له الأنباري . قال أبو حاتم : صدوق كثير التدليس . وقال أحمد : متروك وقال النسائي : ليس بثقة . وأفحش فيه القول ابن معين . مات وله مئة سنة .