ابن كثير
342
البداية والنهاية
السماء مكتوب فيه جعفر المتوكل على الله ، فعبره فقيل له هي الخلافة ، فبلغ ذلك أخاه الواثق فسجنه حينا ثم أرسله . وفيها حج بالناس أمير الحجيج محمد بن داود . وفيها توفي الحكم بن موسى ( 1 ) ، وعمرو بن محمد ( 2 ) الناقد . ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين في يوم الأربعاء سابع صفر منها أمر الخليفة المتوكل على الله بالقبض على محمد بن عبد الملك بن الزيات وزير الواثق ، وكان المتوكل يبغضه لأمور ، منها أن أخاه الواثق غضب على المتوكل في بعض الأوقات وكان ابن الزيات يزيده غضبا عليه ، فبقي ذلك في نفسه ، ثم كان الذي استرضى الواثق عليه أحمد بن أبي دؤاد فحظي بذلك عنده في أيام ملكه ، ومنها أن ابن الزيات كان قد أشار بخلافة محمد بن الواثق بعد أبيه ، ولف عليه الناس ، وجعفر المتوكل في جنب دار الخلافة لم يلتفت إليه ولم يتم الامر إلا لجعفر المتوكل على الله ، رغم أنف ابن الزيات . فلهذا أمر بالقبض عليه سريعا فطلبه فركب بعد غدائه وهو يظن أن الخليفة بعث إليه ، فانتهى به الرسول إلى دار إيتاخ أمير الشرطة فاحتيط به وقيد وبعثوا في الحال إلى داره فأخذ جميع ما فيها من الأموال واللآلئ والجواهر والحواصل والجواري والأثاث ، ووجدوا في مجلسه الخاص به آلات الشرب ، وبعث المتوكل في الحال أيضا إلى حواصله بسامرا وضياعه وما فيها فاحتاط عليها ، وأمر به أن يعذب ومنعوه من الكلام ، وجعلوا يساهرونه كلما أراد الرقاد نخس بالحديد ، ثم وضعه بعد ذلك كله في تنور من خشب فيه مسامير قائمة في أسفله فأقيم عليها ووكل به من يمنعه من القعود والرقاد ، فمكث كذلك أياما حتى مات وهو كذلك . ويقال إنه أخرج من التنور وفيه رمق فضرب على بطنه ثم على ظهره حتى مات وهو تحت الضرب ، ويقال إنه أحرق ثم دفعت جثته إلى أولاده فدفنوه ، فنبشت عليه الكلاب فأكلت ما بقي من لحمه وجلده . وكانت وفاته لإحدى عشرة من ربيع الأول منها . وكان قيمة ما وجد له من الحواصل نحوا من تسعين ألف دينار وقد قدمنا أن المتوكل سأله عن قتل أحمد بن نصر الخزاعي فقال : يا أمير المؤمنين أحرقني الله بالنار إن قتله الواثق إلا كافرا . قال المتوكل : فأنا أحرقته بالنار . وفيها في جمادى الأولى منها بعد مهلك ابن الزيات فلج أحمد بن دؤاد القاضي المعتزلي . فلم يزل مفلوجا حتى مات بعد أربع سنين وهو كذلك ، كما دعا على نفسه حين سأله المتوكل عن قتل أحمد بن نصر كما تقدم . ثم غضب المتوكل على جماعة من الدواوين والعمال ، وأخذ منهم أموالا جزيلة جدا .
--> ( 1 ) أبو صالح القنطري البغدادي الحافظ سمع إسماعيل بن عياش وطبقته مات في شوال وكان أحد العباد . ( 2 ) أبو عثمان البغدادي نزيل الرقة وفقيهها ومحدثها سمع هشيما وطبقته توفي ببغداد في ذي الحجة .