ابن كثير

341

البداية والنهاية

تنح عن القبيح ولا ترده * ومن أوليته حسنا فزده ستكفي من عدوك كل كيد * إذا كاد العدو ولم تكده وقال القاضي يحيى بن أكثم : ما أحسن أحد من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق : ما مات وفيهم فقير . ولما احتضر جعل يردد هذين البيتين : الموت فيه جمع الخلق مشترك * لا سوقة منهم يبقى ولا ملك ما ضر أهل قليل في تفاقرهم * وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا ثم أمر بالبسط فطويت ثم ألصق خده بالأرض وجعل يقول : يا من لا يزول ملكه أرحم من قد زال ملكه . وقال بعضهم : لما احتضر الواثق ونحن حوله غشي عليه فقال بعضنا لبعض : انظروا هل قضى ؟ قال : فدنوت من بينهم إليه لأنظر هل هدأ نفسه ، فأفاق فلحظ إلي بعينه فرجعت القهقرى خوفا منه ، فتعلقت قائمة سيفي بشئ فكدت أن أهلك ، فما كان عن قريب حتى مات وأغلق عليه الباب الذي هو فيه وبقي فيه وحده واشتغلوا عن تجهيزه بالبيعة لأخيه جعفر المتوكل ، وجلست أنا أحرس الباب فسمعت حركة من داخل البيت فدخلت فإذا جرذ قد أكل عينه التي لحظ إلي بها ، وما كان حولها من الخدين . وكانت وفاته بسر من رأى التي كان يسكنها في القصر الهاروني ، في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة من هذه السنة - أعني سنة ثنتين وثلاثين ومائتين - عن ست وثلاثين سنة ، وقيل ثنتين وثلاثين سنة . وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام ، وقيل خمس سنين وشهران وأحد وعشرين يوما ، وصلى عليه أخوه جعفر المتوكل على الله . والله أعلم . خلافة المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق وقت الزوال من يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة . وكانت الأتراك قد عزموا على تولية محمد بن الواثق فاستصغروه فتركوه وعدلوا إلى جعفر هذا ، وكان عمره إذ ذاك ستا ( 1 ) وعشرين سنة ، وكان الذي ألبسه خلعة الخلافة أحمد بن أبي دؤاد القاضي ، وكان هو أول من سلم عليه بالخلافة وبايعه الخاصة والعامة ، وكانوا قد اتفقوا على تسميته بالمنتصر بالله ، إلى صبيحة يوم الجمعة فقال ابن أبي دؤاد رأيت أن يلقب بالمتوكل على الله ، فاتفقوا على ذلك ، وكتب إلى الآفاق وأمر بإعطاء الشاكرية من الجند ثمانية شهور ، وللمغاربة أربعة شهور ولغيرهم ثلاثة شهور واستبشر الناس به . وقد كان المتوكل رأى في منامه في حياة أخيه هارون الواثق كأن شيئا نزل عليه من

--> ( 1 ) في مروج الذهب 4 / 98 : سبعا وعشرين وأشهر .