ابن كثير

340

البداية والنهاية

فليقل فيك باكياتك ما شئن * صياحا في وقت كل مساء قال : فبكى وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه . ثم اندفع بعضهم يغني : ودع هريرة إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل فازداد بكاؤه وقال : ما سمعت كاليوم قط تعزية بأب وبغى نفس ، ثم ارفض ذلك المجلس . وروى الخطيب أن دعبل بن علي الشاعر لما تولى الواثق عمد إلى طومار فكتب فيه أبيات شعر ثم جاء إلى الحاجب فدفعه إليه وقال : اقرأ أمير المؤمنين السلام وقل : هذه أبيات امتدحك بها دعبل فلما فضها الواثق إذا فيها : الحمد لله لا صبر ولا جلد * ولا عزاء إذا أهل الهوى ( 1 ) رقدوا خليفة مات لم يحزن له أحد * وآخر قام لم يفرح به أحد فمر هذا ومر الشؤم يتبعه * وقام هذا فقام الويل والنكد قال : فتطلبه الواثق بكل ما يقدر عليه من الطلب فلم يقدر عليه حتى مات الواثق . وروى أيضا أنه لما استخلف الواثق ابن أبي دؤاد على الصلاة في يوم العيد ورجع إليه بعد أن قضاها قال له : كيف كان عيدكم يا أبا عبد الله ؟ قال : كنا في نهار لا شمس فيه . فضحك وقال : يا أبا عبد الله أنا مؤيد بك . قال الخطيب : وكان ابن أبي دؤاد استولى على الواثق وحمله على التشديد في المحنة ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن . قال ويقال : إن الواثق رجع عن ذلك قبل موته فأخبرني عبد الله بن أبي الفتح ، أنبأ أحمد بن إبراهيم بن الحسن ، ثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة ، حدثني حامد بن العباس عن رجل عن المهدي : أن الواثق مات وقد تاب من القول بخلق القرآن . وروي أن الواثق دخل عليه يوما مؤدبه فأكرمه إكراما كثيرا فقيل له في ذلك فقال : هذا أول من فتق لساني بذكر الله وأدناني برحمة الله . وكتب إليه بعض الشعراء : جذبت دواعي النفس عن طلب الغنى * وقلت لها عفي عن الطلب النزر فإن أمير المؤمنين بكفه * مدار رحا الأرزاق دائمة تجري فوقع له في رقعته جذبتك نفسك عن امتهانها ، ودعتك إلى صونها فخذ ما طلبته هينا . وأجزل له العطاء . ومن شعره قوله : هي المقادير تجري في أعنتها * فاصبر فليس لها صبر على حال ومن شعر الواثق قوله :

--> ( 1 ) في الأغاني 20 / 146 : البلا .