ابن كثير

327

البداية والنهاية

على يدي علي بن أبي طالب . قلت : وكان مولده ببغداد سنة خمسين ومائة ، وسمع بها شيئا كثيرا من حماد بن زيد ، وعبد الله بن المبارك ، وابن مهدي ، ومالك ، وأبي بكر بن عياش ، وغيرهم . وعنه جماعة منهم أبو خيثمة ، وزهير بن حرب ، وسري السقطي ، والعباس بن عبد العظيم ، ومحمد بن حاتم . قال محمد بن سعد : سمع بشر كثيرا ثم اشتغل بالعبادة واعتزل الناس ولم يحدث . وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة في عبادته وزهادته وورعه ونسكه وتقشفه . قال الإمام أحمد يوم بلغه موته : لم يكن له نظير إلا عامر بن عبد قيس ، ولو تزوج لتم أمره . وفي رواية عنه أنه قال : ما ترك بعده مثله . وقال إبراهيم الحربي : ما أخرجت بغداد أتم عقلا منه ، ولا أحفظ للسانه منه ، ما عرف له غيبة لمسلم ، وكان في كل شعرة منه عقل . ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء وما نقص من عقله شئ . وذكر غير واحد أن بشرا كان شاطرا في بدء أمره ، وأن سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله عز وجل في أتون حمام فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال : سيدي اسمك ههنا ملقى يداس ! ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهم غالية وضمخ تلك الرقعة منها ووضعها حيث لا تنال ، فأحيى الله قلبه وألهمه رشده وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة . ومن كلامه : من أحب الدنيا فليتهيأ للذل . وكان بشر يأكل الخبز وحده فقيل له : أما لك أدم ؟ فقال : بل أذكر العافية فأجعلها أدما . وكان لا يلبس نعلا بل يمشي حافيا فجاء يوما إلى باب فطرقه فقيل من ذا ؟ فقال : بشر الحافي . فقالت له جارية صغيرة : لو اشترى نعلا بدرهم لذهب عنه اسم الحافي . قالوا : وكان سبب تركه النعل أنه جاء مرة إلى حذاء فطلب منه شراكا لنعله فقال : ما أكثر كلفتكم يا فقراء على الناس ؟ فطرح النعل من يده وخلع الأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا أبدا . قال ابن خلكان : وكانت وفاته يوم عاشوراء ، وقيل في رمضان ببغداد ، وقيل بمرو . قلت : الصحيح ببغداد في هذه السنة ، وقيل في سنة ست وعشرين والأول أصح والله أعلم . وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم ، فأخرج بعد صلاة الفجر فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة . وكان على المدائني وغيره من أئمة الحديث يصيح بأعلا صوته في الجنازة : هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة . وقد روي أن الجن كانت تنوح عليه في بيته الذي كان يسكنه . وقد رآه بعضهم في المنام فقال : ما فعل الله بك ؟ فقال غفر لي ولكل من أحبني إلى يوم القيامة . وذكر الخطيب أنه كان له أخوات ثلاث وهن : مخة ، ومضغة ، وزبدة . وكلهن عابدات زاهدات مثله وأشد ورعا أيضا . ذهبت إحداهن إلى الإمام أحمد بن حنبل فقالت : إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل على ضوء القمر فهل علي عند البيع أن أميز هذا من هذا ؟ فقال : إن كان بينهما فرق فميزي للمشتري . وقالت له مرة إحداهن : ربما تمر بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل فنغزل الطاق والطاقين والطاقات فخلصني من ذلك . فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار . وسألته عن أنين المريض أفيه شكوى ؟ قال لا ! إنما هو شكوى إلى الله عز وجل . ثم خرجت فقال لابنه عبد