ابن كثير
318
البداية والنهاية
إسحاق بن إبراهيم - في جيش كثيف فجرت بينهم حروب طويلة استقصاها ابن جرير ، وكان آخر ذلك أسر المازيار وحمله إلى ابن طاهر ، فاستقره عن الكتب التي بعثها إليه الأفشين فأقربها ، فأرسله إلى المعتصم وما معه من أمواله التي احتفظت للخليفة ، وهي أشياء كثيرة جدا ، من الجواهر والذهب والثياب . فلما أوقف بين يدي الخليفة سأله عن كتب الأفشين إليه فأنكرها ، فأمر به فضرب بالسياط حتى مات وصلب إلى جانب بابك الخرمي على جسر بغداد ، وقتل عيون أصحابه وأتباعه . وفيها تزوج الحسن بن الأفشين بأترجة بنت أشناس ودخل بها في قصر المعتصم بسامرا في جمادى ، وكان عرسا حافلا ، وليه المعتصم بنفسه ، حتى قيل إنهم كانوا يخضبون لحا العامة بالغالية . وفيها خرج منكجور الاشروسني قرابة الأفشين بأرض أذربيجان وخلع الطاعة ، وذلك أن الأفشين كان قد استنابه على بلاد أذربيجان حتن فرغ من أمر بابك ، فظفر منكجور بمال عظيم مخزون لبابك في بعض البلدان ، فأخذه لنفسه وأخفاه عن المعتصم ، وظهر على ذلك رجل يقال له عبد الله بن عبد الرحمن ، فكتب إلى الخليفة في ذلك فكتب منكجور يكذبه في ذلك ، وهم به ليقتله فامتنع منه بأهل أردبيل . فلما تحقق الخليفة كذب منكجور بعث إليه بغا الكبير فحاربه وأخذه بالأمان وجاء به إلى الخليفة . وفيها مات مناطس الرومي نائب عمورية ، وذلك أن المعتصم أخذه معه أسيرا فاعتقله بسامرا حتى مات في هذه السنة . وفي رمضان منها مات إبراهيم بن المهدي بن المنصور عن المعتصم ويعرف بابن شكله ، وكان أسود اللون ضخما فصيحا فاضلا ، قال ابن ماكولا : وكان يقال له الصيني - يعني لسواده - وقد كان ترجمه ابن عساكر ترجمة حافلة ، وذكر أنه ولي إمرة دمشق نيابة عن الرشيد أخيه مدة سنتين ثم عزله عنها ثم أعاده إليها الثانية فأقام بها أربع سنين . وذكر من عدله وصرامته أشياء حسنة ، وأنه أقام للناس الحج سنة أربع وثمانين ، ثم عاد إلى دمشق ، ولما بويع بالخلافة في أول خلافة المأمون سنة ثنتين ومائتين قاتله الحسن بن سهل نائب بغداد ، فهزمه إبراهيم هذا ، فقصده حميد الطوسي فهزم إبراهيم واختفى إبراهيم ببغداد حين قدمها المأمون ، ثم ظفر به المأمون فعفا عنه وأكرمه . وكانت مدة ولايته الخلافة سنة وأحد عشر شهرا واثنا عشر يوما ، وكان بدء اختفائه في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين ، فمكث مختفيا ست سنين وأربعة أشهر وعشرا . قال الخطيب : كان إبراهيم بن المهدي هذا وافر الفضل غزير الأدب واسع النفس سخي الكف ، وكان معروفا بصناعة الغناء ، حاذقا فيها وقد قل المال عليه في أيام خلافته ببغداد فألح الاعراب عليه في أعطياتهم فجعل يسوف بهم . ثم خرج إليهم رسوله يقول : إنه لا مال عنده اليوم ، فقال بعضهم : فليخرج الخليفة إلينا فليغن لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات ، ولأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات . فقال في ذلك دعبل شاعر المأمون يذم إبراهيم بن المهدي : يا معشر الاعراب لا تغلطوا * خذوا عطاياكم ولا تسخطوا فسوف يعطيكم حنينية * لا تدخل الكيس ولا تربط والمعبديات لقوادكم * وما بهذا أحد يغبط