ابن كثير
319
البداية والنهاية
فهكذا يرزق أصحابه * خليفة مصحفه البربط ( 1 ) وكتب إلى ابن أخيه المأمون حين طال عليه الاختفاء : ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى ، وقد جعل الله أمير المؤمنين فوق كل عفو ، كما جعل كل ذي نسب دونه ، فإن عفا فبفضله وإن عاقب فبحقه . فوقع المأمون في جواب ذلك . القدرة تذهب الحفيظة وكفى بالندم إنابة وعفو الله أوسع من كل شئ . ولما دخل عليه أنشأ يقول : إن أكن مذنبا فحظي أخطأت * فدع عنك كثرة التأنيب قل كما قال يوسف لبني يعقو * ب لما أتوه لا تثريب فقال المأمون : لا تثريب . وروى الخطيب أن إبراهيم لما وقف بين يدي المأمون شرع يؤنبه على ما فعل فقال : يا أمير المؤمنين حضرت أبي وهو جدك وقد أتي برجل ذنبه أعظم من ذنبي فأمر بقتله فقال مبارك بن فضالة : يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تؤخر قتل هذا الرجل حتى أحدثك حديثا ، فقال : قل . فقال : حدثني الحسن البصري عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش : ليقم العافون عن الناس من الخلفاء إلى أكرم الجزاء ، فلا يقوم إلا من عفا " . فقال المأمون : قد قبلت هذا الحديث بقبوله وعفوت عنك يا عم . وقد ذكرنا في سنة أربع ومائتين زيادة على هذا . وكانت أشعاره جيدة بليغة سامحه الله . وقد ساق من ذلك ابن عساكر جانبا جيدا . كان مولد إبراهيم هذا في مستهل ذي القعدة سنة ثنتين وستين ومائة ، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون ( 2 ) من هذه السنة عن ثنتين وستين سنة . وفيها توفي سعيد بن أبي مريم المصري . وسليمان بن حرب ( 3 ) . وأبو معمر المقعد ( 4 ) . وعلي بن محمد المدائني الاخباري أحد أئمة هذا الشأن في زمانه . وعمرو بن مرزوق شيخ البخاري . وقد تزوج هذا الرجل ألف امرأة . وأبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي أحد أئمة اللغة والفقه والحديث والقرآن والاخبار وأيام الناس ، له المصنفات المشهورة المنتشرة بين الناس ، حتى يقال إن الإمام أحمد كتب كتابه
--> ( 1 ) الأبيات في الأغاني باختلاف في الألفاظ 20 / 150 ( دار الكتب ) . ( 2 ) كذا بالأصل وفيه نقص ظاهر ، وفي الطبري وابن الأثير : مات في رمضان وفي وفيات الأعيان 1 / 41 : لتسع خلون من شهر رمضان . ( 3 ) أبو أيوب الأزدي الواشحي البصري قاضي مكة ، سمع شعبة وطبقته . قال ابن ناصر الدين : هو ثقة ثبت . ( 4 ) وهو عبد الله بن عمرو المنقري مولاهم البصري الحافظ . قال ابن معين : ثقة ثبت . قال ابن ناصر الدين : كنيته أبو عمر ، حدث عن البخاري وغيره وهو ثقة .