ابن كثير
304
البداية والنهاية
الناس والفصل ، جاءته امرأة ضعيفة قد تظلمت على ابنه العباس وهو قائم على رأسه ، فأمر الحاجب فأخذه بيده فأجلسه معها بين يديه ، فادعت عليه بأنه أخذ ضيعة لها واستحوذ عليها ، فتناظرا ساعة فجعل صوتها يعلو على صوته ، فزجرها بعض الحاضرين فقال له المأمون : اسكت فإن الحق أنطقها والباطل أسكته ، ثم حكم لها بحقها وأغرم ابنه لها عشرة آلاف درهم . وكتب إلى بعض الأمراء : ليس المروءة أن يكون بيتك من ذهب وفضة وغريمك عار ، وجارك طاو والفقير جائع . ووقف رجل بين يديه فقال له المأمون : والله لأقتلنك . فقال : يا أمير المؤمنين تأن علي فإن الرفق نصف العفو ، فقال : ويلك ويحك ! قد حلفت لأقتلنك ، فقال : يا أمير المؤمنين إنك إن تلق الله حانثا خير من أن تلقاه قاتلا . فعفا عنه . وكان يقول : ليت أهل الجرائم يعرفون أن مذهبي العفو حتى يذهب الخوف عنهم ويدخل السرور إلى قلوبهم . وركب يوما في حراقة فسمع ملاحا يقول لأصحابه : ترون هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه الأمين - يقول ذلك وهو لا يشعر بمكان المأمون - فجعل المأمون يتبسم ويقول : كيف ترون الحيلة حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل القدر ؟ وحضر عند المأمون هدبة بن خالد ليتغدى عنده فلما رفعت المائدة جعل هدبة يلتقط ما تناثر منها من اللباب وغيره ، فقال له المأمون : أما شبعت يا شيخ ؟ فقال : بلى ، حدثني حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أكل ما تحت مائدته أمن من الفقر " . قال فأمر له المأمون بألف دينار . . وروى ابن عساكر أن المأمون قال يوما لمحمد بن عباد بن المهلب : يا أبا عبد الله قد أعطيتك ألف ألف ، وألف ألف ، وألف ألف ، وأعطيك دينارا . فقال : يا أمير المؤمنين إن منع الموجود سوء ظن بالمعبود . فقال : أحسنت يا أبا عبد الله ! أعطوه ألف ألف وألف ألف وألف ألف . ولما أراد المأمون أن يدخل ببوران بنت الحسن بن سهل جعل الناس يهدون لأبيها الأشياء النفيسة ، وكان من جملة من يعتز به رجل من الأدباء . فأهدى إليه مزودا فيه ملح طيب ، ومزودا فيه أشنان جيد ، وكتب إليه : إني كرهت أن تطوى صحيفة أهل البر ولا أذكر فيها ، فوجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته ، وبالمختوم به لطيبه ونظافته . وكتب إليه : بضاعتي تقصر عن همتي * وهمتي تقصر عن مالي فالملح والأشنان يا سيدي * أحسن ما يهديه أمثالي قال : فدخل بها الحسن بن سهل على المأمون فأعجبه ذلك وأمر بالزودين ففرغا وملئا دنانير وبعث بهما إلى ذلك الأديب . وولد للمأمون ابنه جعفر فدخل عليه الناس يهنئونه بصنوف التهاني ودخل بعض الشعراء فقال يهنيه بولده : مد لك الله الحياة مدا * حتى ترى ابنك هذا جدا