ابن كثير

305

البداية والنهاية

ثم يفدى ما تفدى * كأنه أنت إذا تبدى أشبه منك قامة وقدا * مؤزرا بمجده مردا قال فأمر له بعشرة آلاف درهم . وقدم عليه وهو بدمشق مال جزيل بعد ما كان قد أفلس وشكى إلى أخيه المعتصم ذلك ، فوردت عليه خزائن من خراسان ثلاثون ألف ألف درهم ، فخرج يستعرضها وقد زينت الجمال والأحمال ، ومعه يحيى بن أكثم القاضي ، فلما دخلت البلد قال : ليس من المروءة أن نحوز نحن هذا كله والناس ينظرون . ثم فرق منه أربعة وعشرين ألف ألف درهم ورجله في الركاب لم ينزل عن فرسه . ومن لطيف شعره : لساني كتوم لأسراركم * ودمعي نموم لسري مذيع فلولا دموعي كتمت الهوى * ولولا الهوى لم تكن لي دموع بعث خادما ليلة من الليالي ليأتيه بجارية فأطال الخادم عندما المكث ، وتمنعت الجارية من المجئ إليه حتى يأتي إليها المأمون بنفسه ، فأنشأ المأمون يقول : بعثتك مشتاقا ( 1 ) ففزت بنظرة * وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا فناجيت من أهوى وكنت مباعدا * فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى ورددت طرفا في محاسن وجهها * ومتعت باستسماع نغمتها أذنا أرى أثرا منه بعينيك بينا * لقد سرقت ( 2 ) عيناك من عينها حسنا ولما ابتدع المأمون ما ابتدع من التشيع والاعتزال ، فرح بذلك بشر المريسي - وكان بشر هذا شيخ المأمون - فأنشأ يقول : قد قال مأموننا وسيدنا * قولا له في الكتب تصديق إن عليا أعني أبا حسن * أفضل من قد أقلت النوق بعد نبي الهدى وإن لنا * أعمالنا ، والقران مخلوق فأجابه بعض العشراء من أهل السنة : يا أيها الناس لا قول ولا عمل * لمن يقول : كلام الله مخلوق ما قال ذاك أبو بكر ولا عمر * ولا النبي ولم يذكره صديق ولم يقل ذاك إلا كل مبتدع * على الرسول وعند الله زنديق

--> ( 1 ) في ابن الأثير 6 / 436 وفوات الوفيات 2 / 239 : مرتادا . ( 2 ) في ابن الأثير : أخذت .