ابن كثير
280
البداية والنهاية
القلب ترحلت منه الآخرة ، وإذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها ، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة ، لان الدنيا لئيمة والآخرة كريمة ، وما ينبغي لكريم أن يزاحم لئيما . وقال أحمد بن أبي الحواري : بت ليلة عند أبي سليمان فسمعته يقول : وعزتك وجلالك لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك ، ولئن طابتني ببخلي لأطالبنك بكرمك ، ولئن أمرت بي إلى النار لأخبرن أهل النار أني أحبك . وكان يقول : لو شك الناس كلهم في الحق ما شككت فيه وحدي . وكان يقول : ما خلق الله خلقا أهون علي من إبليس ، ولولا أن الله أمرني أن أتعوذ منه ما تعوذت منه أبدا ، ولو تبدى لي ما لطمت إلا صفحة وجهه وقال : إن اللص لا يجئ إلى خربة ينقب حيطانها وهو قادر على الدخول إليها من أي مكان شاء وإنما يجئ إلى البيت المعمور ، كذلك إبليس لا يجئ إلا إلى كل قلب عامر ليستنزله وينزله عن كرسيه ويسلبه أعز شئ . وقال : إذا أخلص العبد انقطعت عنه الوساوس والرؤيا . وقال : الرؤيا - يعني الجنابة - وقال : مكثت عشرين سنة لم أحتلم فدخلت مكة ففاتتني صلاة العشاء جماعة فاحتلمت تلك الليلة . وقال : إن من خلق الله قوما لا يشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه فكيف يشتغلون بالدنيا عنه ؟ وقال : الدنيا عند الله أقل من جناح بعوضة فما الزهد فيها ، وإنما الزهد في الجنان والحور العين ، حتى لا يرى الله في قلبك غيره . وقال الجنيد : شئ يروى عن أبي سليمان أنا استحسنته كثيرا . قوله : من اشتغل بنفسه شغل عن الناس ، ومن اشتغل بربه شغل عن نفسه وعن الناس . وقال : خير السخاء ما وافق الحاجة . وقال : من طلب الدنيا حلالا واستغناء عن المسألة واستغناء عن الناس لقي الله يوم يلقاه ووجهه كالقمر ليلة البدر ، ومن طلب الدنيا حلالا مفاخرا ومكاثرا لقي الله يوم يلقاه وهو عليه غضبان . وقد روي نحو هذا مرفوعا . وقال : إن قوما طلبوا الغنى في المال وجمعه فأخطأوا من حيث ظنوا ، ألا وإنما الغنى في القناعة ، وطلبوا الراحة في الكثرة وإنما الراحة في القلة ، وطلبوا الكرامة من الخلق وإنما هي في التقوى ، وطلبوا التنعم في اللباس الرقيق اللين ، والطعام الطيب ، والمسكن الأنيق المنيف ، وإنما هو في الاسلام والايمان والعمل الصالح والستر والعافية وذكر الله . وقال : لولا قيام الليل ما أحببت البقاء في الدنيا وما أحب الدنيا لغرس الأشجار ولا لكرى الأنهار . وإنما أحبها لصيام الهواجر وقيام الليل . وقال : أهل الطاعة في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم . وقال : ربما استقبلني الفرح في جوف الليل ، وربما رأيت القلب يضحك ضحكا . وقال : إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا فأقول : إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب . وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان يقول : بينا أنا ساجد إذ ذهب بي النوم فإذا أنا بها - يعني الحوراء - قد ركضتني برجلها فقالت : حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم ؟ بؤسا لعين آثرت لذة نومة على لذة مناجاة العزيز ، قم فقد دنا الفراغ ولقي المحبون بعضهم بعضا ، فما هذا الرقاد ؟ ! حبيبي وقرة عيني أترقد عيناك وأنا أتربى لك في الخدور منذ كذا