ابن كثير

281

البداية والنهاية

وكذا ؟ قال : فوثبت فزعا وقد عرقت حياء من توبيخها إياي ، وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي . وقال أحمد : دخلت على أبي سليمان فإذا هو يبكي فقلت : ما لك ؟ فقال : زجرت البارحة في منامي . قلت : ما الذي زجرك ؟ قال : بينا أنا نائم في محرابي إذا وقفت علي جارية تفوق الدنيا حسنا ، وبيدها ورقة وهي تقول : أتنام يا شيخ ؟ فقلت : من غلبت عينه نام قالت : كلا إن طالب الجنة لا ينام ، ثم قالت : أتقرأ ؟ قلت : نعم ، فأخذت الورقة من يدها فإذا فيها مكتوب : لهت بك لذة عن حسن عيش * مع الخيرات في غرف الجنان تعيش مخلدا لا موت فيها * وتنعم في الجنان مع الحسان تيقظ من منامك إن خيرا * من النوم التهجد في القران وقال أبو سليمان : أما يستحي أحدكم أن يلبس عباءة بثلاثة دراهم وفي قلبه شهوة بخمسة دراهم ؟ وقال أيضا : لا يجوز لاحد أن يظهر للناس الزهد والشهوات في قلبه ، فإذا لم يبق في قلبه شئ من الشهوات جاز له أن يظهر إلى الناس الزهد بلبس العبا فإنها علم من أعلام الزهاد ، ولو لبس ثوبين أبيضين ليستر بهما أبصار الناس عنه وعن زهده كان أسلم لزهده من لبس العبا . وقال : إذا رأيت الصوفي يتنوق في لبس الصوف فليس بصوفي ، وخيار هذه الأمة أصحاب القطن ، أبو بكر الصديق وأصحابه ، وقال غيره : إذا رأيت ضوء الفقير في لباسه فاغسل يديك من فلاحه . وقال أبو سليمان : الأخ الذي يعظك برؤيته قبل كلامه ، وقد كنت أنظر إلى الأخ من أصحابي بالعراق فانتفع برؤيته شهرا . وقال أبو سليمان قال الله تعالى : عبدي إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك ، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك ومحوت زلاتك من أم الكتاب ولم أناقشك الحساب يوم القيامة . وقال أحمد : سألت أبا سليمان عن الصبر فقال : والله إنك لا تقدر عليه في الذي تحب فكيف تقدر عليه فيما تكره ؟ وقال أحمد تنهدت عنده يوما فقال : إنك مسؤول عنها يوم القيامة ، فإن كانت على ذنب سلف فطوبى لك ، وإن كانت على فوت دنيا أو شهوة فويل لك . وقال إنما رجع من رجع من الطريق قبل وصول ، ولو وصلوا إلى الله ما رجعوا . وقال إنما عصى الله من عصاه لهوانهم عليه ، ولو عزوا عليه وكرموا لحجزهم عن معاصيه وحال بينهم وبينها . وقال : جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل فيهم خصالا الكرم والحلم والعلم والحكمة والرأفة والرحمة والفضل والصفح والاحسان والبر والعفو واللطف . وذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب محن المشايخ أن أبا سليمان الداراني أخرج من دمشق وقالوا : إنه يرى الملائكة ويكلمونه ، فخرج إلى بعض الثغور فرأى بعض أهل الشام في منامه أنه إن لم يرجع إليهم هلكوا . فخرجوا في طلبه وتشفعوا له وتذللوا له حتى ردوه . وقد اختلف الناس في وفاته على أقوال فقيل : مات سنة أربع ومائتين ، وقيل سنة خمس ومائتين ، وقيل خمس عشرة ومائتين ، وقيل سنة خمس وثلاثين ومائتين فالله أعلم . وقد قال مروان الطاطري يوم مات أبو سليمان : لقد أصيب به أهل الاسلام كلهم . قلت : وقد دفن في قرية داريا في