ابن كثير

279

البداية والنهاية

به حتى يسمع به في الأثر ، فإذا سمع به في الأثر عمل به فكان نورا على نور . وقال الجنيد : قال أبو سليمان ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة . قال : وقال أبو سليمان : أفضل الأعمال خلاف هوى النفس . وقال لكل شئ علم وعلم الخذلان ترك البكاء من خشية الله . وقال : لكل شئ صدأ وصدأ نور القلب شبع البطن . وقال كل ما شغلك عن الله من أهل أو مال أو ولد فهو شؤم . وقال : كنت ليلة في المحراب أدعو ويداي ممدودتان فغلبني البرد فضممت إحداهما وبقيت الأخرى مبسوطة أدعو بها ، وغلبتني عيني فنمت فهتف بي هاتف : يا أبا سليمان قد وضعنا في هذه ما أصابها ، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها . قال : فآليت على نفسي ألا أدعو إلا ويداي خارجتان ، حرا كان أو بردا . وقال : نمت ليلة عن وردي فإذا أنا بحوراء تقول لي : تنام وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام ؟ وقال أحمد بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول : إن في الجنة أنهارا على شاطئيها خيام فيهن الحور ، ينشئ الله خلق الحوراء إنشاء ، فإذا تكامل خلقها ضربت الملائكة عليهن الخيام ، الواحدة منهن جالسة على كرسي من ذهب ميل في ميل ، قد خرجت عجيزتها من جانب الكرسي ، فيجئ أهل الجنة من قصورهم يتنزهون على شاطئ تلك الأنهار ما شاؤوا ثم يخلو كل رجل بواحدة منهن . قال أبو سليمان : كيف يكون في الدنيا حال من يريد افتضاض الأبكار على شاطئ تلك الأنهار في الجنة . وقال : سمعت أبا سليمان يقول : ربما مكثت خمس ليال لا أقرأ بعد الفاتحة بآية واحدة أتفكر في معانيها ، ولربما جاءت الآية من القرآن فيطير العقل ، فسبحان من يرده بعد . وسمعته يقول : أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله عز وجل ، ومفتاح الدنيا الشبع ، ومفتاح الآخرة الجوع . وقال لي يوما : يا أحمد جوع قليل وعري قليل وفقر قليل وصبر قليل وقد انقضت عنك أيام الدنيا . وقال أحمد : اشتهى أبو سليمان يوما رغيفا حارا بملح فجئته به فعض منه عضة ثم طرحه وأقبل يبكي ويقول : يا رب عجلت لي شهوتي ، لقد أطلعت جهدي وشقوتي وأنا تائب ؟ فلم يذق الملح حتى لحق بالله عز وجل . قال : وسمعته يقول : ما رضيت عن نفسي طرفة عين ، ولو أن أهل الأرض اجتمعوا على أن يضعوني كاتضاعي عن نفسي ما قدروا . وسمعته يقول : من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة . وسمعته يقول : من حسن ظنه بالله ثم لم يخفه ويطعه فهو مخدوع . وقال : ينبغي للخوف أن يكون على العبد أغلب الرجاء ، فإذا غلب الرجاء على الخوف فسد القلب . وقال لي يوما : هل فوق الصبر منزلة ؟ فقلت : نعم - يعني الرضا - فصرخ صرخة غشي عليه ثم أفاق فقال : إذا كان الصابرون يوفون أجرهم بغير حساب ، فما ظنك بالأخرى وهم الذين رضي عنهم . وقال : ما يسرني أن لي الدنيا وما فيها من أولها إلى آخرها أنفقه في وجوه البر ، وإني أغفل عن الله طرفة عين . وقال : قال زاهد لزاهد : أوصني ، فقال : لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك ، فقال : زدني . فقال : ما عندي زيادة . وقال من أحسن في نهاره كوفئ في ليله ، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره ، ومن صدق في ترك شهوة أذهبها الله من قلبه ، والله أكرم من أن يعذب قلبا بشهوة تركت له . وقال : إذا سكنت الدنيا