ابن كثير

263

البداية والنهاية

سبعين ومائة . قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا عياش بن هشام عن أبيه قال : ولد محمد الأمين بن هارون الرشيد في شوال سنة سبعين ومائة . وأتته الخلافة بمدينة السلام بغداد لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وقيل ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم ( 1 ) ، وقتل سنة ثمان وتسعين ومائة ، قتله قريش الدنداني ، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين فنصبه على رمح وتلا هذه الآية ( في اللهم مالك الملك ) [ آل عمران : 26 ] وكانت ولايته أربع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام ( 2 ) ، وكان طويلا سمينا أبيض أقنى الانف صغير العينين . عظيم الكراديس بعيدا ما بين المنكبين . وقد رماه بعضهم بكثرة اللعب والشرب وقلة الصلاة . وقد ذكر ابن جرير طرفا من سيرته في إكثاره من اقتناء السودان والخصيان ، وإعطائه الأموال والجواهر ، وأمره بإحضار الملاهي والمغنين من سائر البلاد ، وأنه أمر بعمل خمس حراقات على صورة الفيل والأسد والعقاب والحية والفرس ، وأنفق على ذلك أموالا جزيلة جدا ، وقد امتدحه أبو نواس بشعر أقبح في معناه من صنيع الأمين فإنه قال في أوله : سخر الله للأمين مطايا * لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سرن برا * سار في الماء راكبا ليث غاب ثم وصف كلا من تلك الحراقات . واعتنى الأمين ببنايات هائلة للنزهة وغيرها ، وأنفق في ذلك أموالا كثيرة جدا . فكثر النكير عليه بسبب ذلك . وذكر ابن جرير : أنه جلس يوما في مجلس أنفق عليه مالا جزيلا في الخلد ، وقد فرش له بأنواع الحرير ، ونضد بآنية الذهب والفضة ، وأحضر ندماءه وأمر القهرمانة أن تهيئ له مائة جارية حسناء وأمرها أن تبعثهن إليه عشرا بعد عشر يغنينه ، فلما جاءت العشر الأول اندفعن يغنين بصوت واحد ( 3 ) : همو قتلوه كي يكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه فغضب من ذلك وتبرم وضرب رأسها بالكأس ، وأمر بالقهرمانة أن تلقى إلى الأسد فأكلها . ثم استدعى بعشرة فاندفعن يغنين : من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا يندبنه * يلطمن قبل تبلج الأسحار فطردهن واستدعى بعشر غيرهن ، فلما حضرن اندفعن يغنين بصوت واحد :

--> ( 1 ) انظر في ولايته الخلافة الطبري 10 / 208 وابن الأثير 6 / 288 ومروج الذهب 3 / 473 وابن الأعثم 8 / 308 والمعارف ص 167 . ( 2 ) انظر الطبري 10 / 209 ومروج الذهب 3 / 473 وابن الأثير 6 / 289 وابن الأعثم 8 / 309 . ( 3 ) في مروج 3 / 479 : دعا بجارية من خواص جواريه تسمى ضعفا فغنت ، ( وانظر الطبري 10 / 218 ) .